اغلاق
اغلاق

Please install Flashֲ® and turn on Javascript.

  ارسل خبر

أصل الحكاية؛ القصة وما فيها... للشيخ كمال خطيب

 
لا أصعب من السباحة بعكس التيار، حيث لا يستطيع ذلك إلا أمهر السباحين. ولكن التفاؤل والأمل في ظروف المآسي والظلم والمصائب والويلات هو أصعب من السباحة بعكس التيار.
 
في زمن انتفاش الباطل وسطوة الظالمين، في زمن خيانة الأمراء، وضلالة العلماء وكثرة انحراف وضياع الأبناء فلا أصعب من أن تكون متفائلا.
 
في زمن الحليم الذي يصبح حيران، وفي زمن أصبح الدين يباع بعرض من الدنيا، في زمن السنين الخداعة فيها يخوّن الأمين ويؤتمن الخائن، وفيها يصدّق الكاذب ويكذّب الصادق، وفيها يتكلم في الناس ويتبوأ مقاعد الصدارة والتأثير الرويبضات من أشباه الرجال والسفهاء والجبناء والعملاء، فلا أصعب من أن تكون متفائلا.
 
في زمن من التفكك والشرذمة من طرفنا، يقابله تكتلات وتحالفات للشر والظلم والاستعباد من طرف أعدائنا، فلا أصعب من أن تكون متفائلا.
 
في زمن أصبح فيه الإسلام يطارَد، ويُطلب رأسه، وتصوب السهام إليه وإلى كل من ينتسب إليه، في زمن حرب عالمية تعلن على الإسلام؛ ظاهرها الحرب على الإرهاب وحقيقتها وجوهرها أنهم يريدون رأس الإسلام، فحيثما ظهرت دعوة أو حركة أو مجموعة تنتسب إلى الإسلام وإذا بها تلاحق وتطارد وتوصف بكل أوصاف السوء والقبح، ومع ذلك فإن هذه الدعوات والحركات، وقد أعلنت عن نفسها أحزابا ولها برامج ومشاريع وأنظمة واضحة، إذا احتكمت إلى الصندوق وإلى صوت الناخب، واختار الناخب هؤلاء، وإذا بقوى الشر تتآمر عليهم وتنقلب عليهم، فتسجن وتقتل وتشرد وتلاحق بعد إذ سلطت كلاب صيدها من عسكر بلاد العرب والمسلمين، فكانوا أشد على شعوبهم من أعدائهم، ليزيد هذا الحال من منسوب اليأس والتشاؤم أكثر وأكثر، ولتطول وتمتد شرقا وغربا، طولا وعرضا قائمة المحبطين، فلا أصعب من أن تكون متفائلا. ومع هذا كله فإننا سنسبح بعكس التيار بإذن الله تعالى، نهتك ستر التشاؤم، ونعلن الحرب على الإحباط، نطارد فلوله ونهدم أركانه. وإنها وقفات وقبسات من أنوار الأمل نستلهم منها معاني الخير، ونتسلح بها في معركة الصراع بين الحق والباطل، بين الخير والشر، بين الإسلام وبين أعدائه.
 
متى يبتسم قلبك
 
عندما تكون واثقا بنصر الله، معتقدا بتحقيق وعده، متيقنا أنه لن يتخلى عن جنده، عندها يبتسم ويطمئن قلبك، وتنفرج أساريرك، ويتهلل وجهك، وترى الأمل والنصر الوشيك والفرج القريب من وسط اللهيب، ومن قلب الفتنة والحرب الضروس بل والمجزرة بل والمحرقة التي أوقدوها ضد الإسلام وأهله في كل بلاد العرب والمسلمين.
 
قد لا يفهم كثير من الناس سر هذه الابتسامة ومصدر هذه الطمأنينة وهذا التفاؤل، بل قد يصعب عليك تفسيرها وشرحها، لأن شرحها لا يكون عبر الأرقام والتحليلات السياسية والتكتيكات العسكرية. فهذه يشترك بها كل الناس، ويسمعها كل الناس، بل لعل غيرك كثير من هم أمهر منك في استعراضها ومعرفة دلالاتها.
 
يمكن أن تُرمى بأنك إنسان غيبيّ وغير واقعي وتعيش في الأوهام، وتتعزى بالأحلام، بل وتهرب من مواجهة الكارثة عبر دغدغة المشاعر واللهث خلف سراب سرعان ما سيتبدد، وأحلام لن تتحقق.
 
لكن ولأن حساباتك غير حسابات الآخرين، ولأن قراءتك للتاريخ وللأحداث والواقع تختلف عنهم، ولأن إيمانك بأن نواميس الكون ومنظومة الحياة ليست بيد أحد من البشر أبدا، ولأنك مسلم مؤمن وصاحب منهج رباني سماوي فأنت ترى الأشياء والأحداث من خلال هذا المنهج ليس إلا. لذلك فإنك تكون مطمئنا ومتفائلا.
 
لأنك كذلك، ولأنك آمنت بالذي نجى إبراهيم من النار، بل وجعلها بردا وسلاما عليه، والذي نجى موسى من الغرق، بل وجعل له في البحر طريقا يبسا وجعل الماء ينتصب كعمود الصخر، والذي نجى يونس في بطن الحوت في ظلمات بعضها فوق بعض؛ ظلمة بطن الحوت وظلمة قعر البحر وظلمة الليل، والذي نجى محمدا وصاحبه في الغار فإن قلبك مطمئن، وثغرك باسمٌ، وترى النصر الوشيك والفرج القريب رغم الحصار والنار والشرذمة والتفكك واستعلاء الباطل وسطوته وكثرة وقوة جيش الباطل وإمكانياته: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القَوْمِ المُجرِمِينَ). 110 سورة يوسف.
 
سنّة جارية وناموس كوني
 
إن أشهى الطعام ليس طعام الأمراء والملوك كما يتخيل البعض، ولا طعام أشهر المطاعم ومن صنع أمهر الطباخين، وإنما أشهى وأطيب الطعام ذاك الذي يأتي بعد جوع، وإن ألذ شراب ذاك الذي يأتي بعد عطش، وإنها سنّة جارية تكررت على مدار التاريخ أن يبتلي الله عباده بشتى صنوف البلاء، ليس غضبا عليهم وإنما تمحيصا لهم. وإن من مفردات هذا الابتلاء أنه يطول ويطول حتى يظن البعض أن آمال الفرج قد تبددت، وأن أضواء الفجر قد خفتت (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله)، وعندها وعند غياب الأمل يأتي الفرج، ويتنزل النصر عند استحكام اليأس، ويطلع الفجر عند أحلك لحظة من ساعات الليل.
 
حتى أن علماء كبارا قد ألفوا كتبا تتحدث عن هذه السنّة الجارية، وإن كان كتاب القاضي التنوخي (الفرج بعد الشدة) من أشهرها، والذي يذكر فيه أمثلة ونماذج في تفصيل هذه السنّة الجارية، حيث يستوقفه كثيرا ويسهب في شرحه حديثُ الرسول صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا)، وكذلك فإنه يورد ويشرح أحاديث أخرى لرسول الله صلى الله عليه وسلم تبيّن أن انتظار الفرج عبادة. قال صلى الله عليه وسلم: (انتظار الفرج من الله تعالى عبادة)، وقال: (أفضل العبادة انتظار الفرج من الله تعالى).
 
انتظار الفرج معناه أن البلاء يطول حتى يكاد يغيب الأمل، وأن النصر يتأخر حتى يكاد يقع اليأس ويستحكم في النفوس، وأن الليل يشتد سوادا وحلكة حتى يكاد يخيل للمرء أن الصبح لن يبزغ بعد اليوم أبدا، وليس الأمر كذلك بإذن الله تعالى، فتفاءلوا.
 
متى نتفاءل أكثر
 
نحن متفائلون، والحمد لله، رغم كل ما يقع ويجري. ونحن واثقون بنصر الله، وأن فتح الله قريب، وأن هذا الليل سينجلي، وأن هذا الكرب سيفرج رغم كل ملامح انسداد الأفق وانعدام الأمل، كما يظن البعض.
 
لكن أكثر ما يجعلنا متفائلين ذاك العلو للمجرمين واستكبار الطغاة وعتو الظلمة. إن استشعار هؤلاء الطواغيت أنهم يعيدون مجد كسرى وقيصر وفرعون وهامان ضد شعوبهم وضد الرسل الذين جاؤوا يبلغونهم دعوة الله، فكانت مقولاتهم مقولات الجبروت والاستعلاء (أنا ربكم الأعلى).. (أنا أحيي وأميت)، إنه ليس فرعون مصر ولا نمرود العراق قبل آلاف السنين، بل إنهم طواغيت وجبابرة على نفس النهج يسيرون.
 
فإذا وصل الأمر إلى حد الفساد الكبير، وإزهاق أرواح العباد حفاظا على كرسي وعلى منصب لمغرور، وإذا وصل الأمر قتل مئات الآلاف وحرق وتدمير مدن بل دولة بأكملها، كما يفعل بشار ويدعمه في ذلك دموي مثله اسمه بوتين، ويعطي الضوء الأخضر مجرم آخر هو أوباما، كل هذا يشير إلى أن الظلم والفساد قد بلغ منتهاه، وأن العلو والتكبر قد تجاوز كل الحدود. فعند ذلك لا بد أن نتفاءل من اقتراب نهاية هؤلاء الظالمين. وفي هذا قال الله تعالى، مبينا نموذجا من التاريخ يوصل إلى نفس النهاية والنتيجة: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) 5-12 سورة الفجر.
 
ومع أنه يبكينا كل قطرة دم تسيل، وكل دمعة تنهمر على وجنتي يتيم أو ثكلى، وينصدع قلبنا مع كل جدار بيت يتصدع ويتهدم بفعل قنابل وصواريخ المجرمين والقتلة، إلا أننا متفائلون يغمرنا الأمل بل اليقين بأن هذا الظلم لن يدوم، وأن نواميس الله سبحانه ستأخذ دورها بإذن ومشيئة وتدبير القوي الجبار الله سبحانه وتعالى، فتفاءلوا.
 
القصة وما فيها
 
سواء ما يجري في سوريا أو ما يجري في مصر والعراق واليمن وليبيا، وسواء ما يجري في جوهرة البلدان؛ فلسطين والقدس الشريف، أو ما يقع على المسلمين الروهينغا في ميانمار، وفي أفريقيا الوسطى، وما يتعرض له المسلمون الإيغور في الصين، وسواء كان الصراع بين الهند وباكستان، إن كل ما يجري - سواء كان بفعل أيد غريبة أو أيد من أبناء جلدتنا- فإنه المكر والكيد والعداء ضد الإسلام وضد الدين: (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردونكم عن دينكم إن استطاعوا) البقرة: 217.
 
ولكن القصة ابتدأت قبل ذلك بكثير. نعم، إنها حكاية وقصة كل رسول مع قومه الذين كذبوه وعاندوه بعد إذ دعاهم للتوحيد، فأصروا واستكبروا. فلما كان خاتم الرسل هو محمد صلى الله عليه وسلم فإن هذه القصة وفصول الحكاية توالت وبقيت مستمرة من الكيد والعداء والملاحقة ومحاولة النيل بكل وسيلة وطريقة: (وَإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) الأنفال: 30.
 
إن أصل الحكاية، والقصة وما فيها أن الله جل جلاله خلق بني آدم ليكونوا عبيدا له سبحانه، وأرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب للقيام بمهمة تعبيد الناس لرب العالمين، لكن أدعياء الإلوهية والربوبية من الجبابرة والطواغيت وأصحاب المصالح رفضوا ذلك، بل أعلنوا الحرب على كل نبي جاء بهذه المهمة: (سنة من أرسلنا قبلك من رسلنا).
 
أصل الحكاية، والقصة وما فيها أنه صراع كان يدور بين رسل وبين قوم الكافرين من قومهم، فكانوا يلاحقون ويطاردون، وفي أحيان كانوا يقتلون ويلقون في النار وينشرون بالمناشير، كما فعلوا مع محاولة قتل المسيح عليه السلام (وما قتلوه وما صلبوه،) وكما فعلوا مع محاولة قتل إبراهيم بإلقائه في النار، وكما جرى مع قتل نبي الله يحيي بن زكريا، والذي نشروه بالمناشير.
 
أصل الحكاية، والقصة وما فيها أنها جولات وجولات بين التوحيد وبين الشرك، بين الحق وبين الباطل، بين الخير وبين الشر، بين النور وبين الظلام، بين الهداية وبين الضلال، فمرة تكون الجولة للحق ومرة تكون للباطل، ولكن حتمية انتهاء الصراع لصالح الخير والهدى والنور لا شك فيها أبدا. فإذا كانت للباطل جولة فغن للحق جولات، وإذا كانت دولة الباطل ساعة فإن دولة الحق إلى قيام الساعة.
 
أصل الحكاية، والقصة وما فيها أن آخر جولات الصراع كانت بين الإسلام؛ دين الله الذي جاء به آخر رسل الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت تلك الجولة قبل مائة سنة حين الغيت الخلافة الإسلامية (سنة1923) ومزقت الأمة إلى دويلات وخضعت للاستعمار، ونشرت الأفكار والمناهج المستوردة فكريا وأخلاقيا وشجعت القوميات على حساب الدين، بل وأعلنت الحرب السافرة على الإسلام في كل نواحي الحياة.
 
وكان أحد فصول الحكاية التآمر على فلسطين وتسليمها للمشروع الصهيوني عام 1948، ثم استكمال ذلك باحتلال القدس والأقصى عام 1967 واستمرار الحرب السافرة على المشروع الإسلامي والنهضة الإسلامية التي ظهرت تريد العودة إلى الإسلام والتمسك به والعمل لإعادة إحكامه وإقامة دولته. ولقد شن هذه الحرب أعداء أمتنا بشكل مباشر، أو ناب عنهم بعض المأجورين من أصحاب الجلالة والفخامة والسيادة.
 
ولعل آخر فصول الحكاية ثورات الربيع العربي، والتي ظهر فيها جليا العاطفة الدينية ورغبة الناس في أن يقودهم الإسلاميون، حيث برز ذلك واضحا في نتائج الانتخابات والاحتكام إلى صناديق الاقتراع في تونس وفي مصر وغيرهما، وقبل ذلك وبعده في تركيا وفلسطين.
 
فكانت المفاجأة والصاعقة لأعدائنا، حيث تبين لهم أن عشرات السنين من الحرب ضد الإسلام، فكريا وسياسيا وأخلاقيا وعقائديا، لم تنجح في إطفاء جذوة حب الإسلام من صدورهم، فكانت الانقلابات وكانت المجازر وكان هذا الكيد الدموي غير المسبوق، وكان هذا الواقع الصعب والكرب والبلاء الذي نزل وما يزال ينزل بشعوبنا وأمتنا.
 
إنهم يفعلون هذا كله ليصلوا بنا إلى خانة اليأس والقنوط، وأن الإسلام مات ولن يعود ولن تقوم له قائمة بعد اليوم. إنهم يريدون أن يصلوا بنا إلى درجة اليأس من أن الفرج لن يكون، وأن كلمة النصر قد محيت من قاموس أمتنا.
 
ولكننا نقول لهم وبكل الثقة إن مكرهم سيبور، وإن حقنا سينتصر على باطلهم وخيرنا على شرهم، وسينتصر الإسلام على كل أعدائه. نعم، إننا قد أبصرنا ملامح الفجر، وهبت علينا نسائم النصر، وإننا في الجولة الأخيرة مع جولات صراعنا مع أعدائنا.
 
إننا في آخر فصول الحكاية وفي ختام قصة نحن من يكتب آخر فصولها بل آخر كلماتها، ولن يكون آخر هذه الكلمات إلا قول الله: (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم. وعد الله لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون) 4-6: الروم.

بامكانكم ارسال مواد إلى العنوان : [email protected]

أضف تعليق

التعليقات

تعليقات Facebook