اغلاق
اغلاق
  ارسل خبر

اضواء- تمزيق السودان استهداف للأمن القومي العربي

كان يمكن أن يكون السودان سلة الغذاء العربي لو اتفقت الأنظمة العربية على أدنى مستويات التضامن، فالسودان أكبر دولة عربية مساحة، إذ تبلغ مساحته 2.5 مليون كم2، ومساحة إقليم دارفور لوحده أكبر من مساحة فرنسا، بينما مساحة الجنوب تقترب من مليون كم2، في حين لا يتجاوز عدد سكان السودان الإجمالي 35 مليون نسمة، ولديه أكثر من مائتي مليون فدان قابلة للزراعة، وأكثر من 130 مليون رأس من الماشية، وأمطاره وموارده المائية تفوق الدول العربية مجتمعة، ومعظم ثرواته غير مستثمرة وهي من النفط والذهب والنحاس والحديد واليورانيوم وغيرها.

إن اكتشاف النفط مؤخرًا زاد من أطماع أمريكا والغرب بالسودان، ولكنه حتما ليس السبب الرئيس في المحاولات المتكررة لتمزيق السودان (الغرب أعلن معاداة ثورة الإنقاذ منذ قيامها في ثمانينات القرن الماضي وقبل اكتشاف النفط)، ولكن السبب يكمن في خشية الغرب من عروبة وإسلامية السودان الذي يحوي هذه الموارد كلها مجتمعة، فالسودان بموارده إن تم استثمارها عربيا يمكن أن تشكل عمقا إستراتيجيا للعالم العربي أجمع، وعليه فإن تمزيق السودان إلى ثلاث دويلات علمانية سيضمن من الناحية العملية وأد فكرة أن يكون السودان المسلم مصدر الأمن الغذائي والمائي للعالم العربي. ومن هنا فإن الحديث عن أن الحقد الأمريكي الأسود على السودان تولد فقط عندما طردت ثورة الإنقاذ شركة شيفرون، وسلمت الآبار النفطية التي حفرتها إلى الشركات الصينية، هو من باب تبسيط الأمور. فالعقوبات الاقتصادية والحصار واستخدام المحكمة الدولية التي وصلت إلى حد إصدار مذكرة توقيف للرئيس البشير وهو على رأس الحكم، في سابقة لم يحصل مثلها في تاريخ الدول، هو استهداف لعروبة وإسلامية السودان، والاستفتاء القادم هو نتاج هذه الحرب الشرسة على السودان، وإذا ما حصل الانفصال بين الشمال والجنوب، فإنه حتما سيكون من أخطر الأحداث، ليس في تاريخ السودان وحده بل في تاريخ الأمة العربية، لأن استهداف السودان يستهدف الأمن القومي العربي وليس فقط الأمن القومي السوداني.

ومن أجل تمزيق السودان تعمد الغرب وعلى رأسه أمريكا إغراق السودان في مجموعة من الأزمات تفضي في النهاية إلى تقسيمه إلى عدد من الكيانات المتنافرة، حتى إن أحد مراكز البحوث الأمريكية أوصى إدارة كلينتون بشد السودان من أطرافه الأربعة ليسهل تمزيقه، وذلك من خلال أزمة في الشرق عرفت بأزمة ألبجا أو أزمة الشرق، وأزمة في الغرب والشمال المعروفة بأزمة دارفور، وأزمة في الجنوب وهي الأزمة المزمنة بين الشمال والجنوب، التي أضيف إليها النزاع على منطقة آبيي الغنية بالنفط، وهي التي تقع في المنطقة الحدودية بين الطرفين. هذا ناهيك عن أزمة حلايب بين مصر والسودان، والمعلقة منذ استقلال السودان عام 1956.

انفصال الجنوب سيكون من صالح المؤسسة الإسرائيلية، التي حتما كان لها دور في الصراع الدائر في السودان منذ أكثر من عقدين، حيث كانت الممول الرئيس للجنوب في السلاح والتدريب اللازم من أجل مواجهة ثورة الإنقاذ، وعليه لا نستغرب أن "سلفاكير ميادريت"، رئيس حكومة الجنوب والنائب الأول للرئيس السوداني، قد أعلن أنه في حال انفصال الجنوب سيفتح سفارة للمؤسسة الإسرائيلية في جوبا عاصمة الجنوب المتمرد. إذًا التغلغل الإسرائيلي في حوض النيل ليس جديدًا والمساعي الصهيونية لتكون للمؤسسة الإسرائيلية حصة في حوض النيل لم تتوقف، وقد ركزت منذ البداية على جنوب السودان، وعملت على إذكاء نار الحرب بين الشمال والجنوب بهدف وضع أصابعها على الدولة التي يمكن أن تتشكل في الجنوب وتأخذ حصة من مياه النيل، حتى إن الإسرائيلي "موشي فرجي" في كتابه حول العلاقات الإسرائيلية الأفريقية يشير إلى أن المؤسسة الإسرائيلية كانت تدفع مرتبات قادة وضباط جيش تحرير السودان، وقدرت مجلة "معرخوت" العسكرية أن مجموع ما قدمته المؤسسة الإسرائيلية لجيش تحرير الجنوب أكثر من 500 مليون دولار، قامت الولايات المتحدة بتغطية الجزء الأكبر منه. كما أن المؤسسة الإسرائيلية أقنعت الجنوبيين بتعطيل تنفيذ قناة جونقلي في أعالي النيل التي كانت ستزيد تدفق مياه النيل إلى مصر وتنعش المشاريع في الشمال المصري، وقالت المؤسسة الإسرائيلية إن الجنوبيين أوْلى بتلك المياه من غيرهم، وعندما ظهر النفط في جنوب السودان في منتصف الثمانينات أوفدت واحدًا من أكبر خبرائها هو "إلياهو لون فسكي" الذي قدر احتياطاته بسبعة مليارات برميل، ونتيجة ذلك شرع الجنوبيون في المطالبة بحصتهم، وعارضوا إنشاء مصفاة "كوستي" للنفط في الشمال، ولم تترك المؤسسة الإسرائيلية أزمة دارفور دون تدخل سافر أيضا. وأعلن عبد الواحد نور أحد قادة المجموعات الانفصالية عن افتتاح مكتب لمجموعته في تل أبيب بهدف إقامة علاقة مباشرة معها.

الدولة الانفصالية في الجنوب ستكون امتدادا للطيف الأمريكي والغربي في أفريقيا، وهذا تمهيد لكي تحظى هذه الدولة باعتراف دولي شامل، وأن تقبل في عضوية الأمم المتحدة فورًا، وقطع الطريق على أي اعتراض سوداني أو عربي أو إسلامي على الانفصال، وعليه ستكون هذه "الدولة المسخ" رأس حربة للقوى الإسرائيلية والغربية في التصدي لأي امتداد عربي وإسلامي داخل القارة الأفريقية، وتحجيم دور السودان بأبعاده الثلاثة؛ العربية والإسلامية والأفريقية، وإفساح المجال أمام المؤسسة الإسرائيلية لتلعب لعبتها الكبرى في حوض النيل بالتحكم في مياه هذا النهر، وفي التالي التحكم بدول الحوض العشر وعلى رأسها مصر.

بامكانكم ارسال مواد إلى العنوان : [email protected]

أضف تعليق

التعليقات

تعليقات Facebook