اغلاق
اغلاق
  ارسل خبر

الكورونا - إمتحان للوحدة الفلسطينية من أجل أمهاتنا وآبائنا .. بقلم: زهية قندس

 
منذ قرنين تقريباً يشكوا المفكرون في المشرق العربي من فجوة بين تاريخ العادات والمشارب المحلية وبين ما تبدو عليه المجتمعات المشرقية على أرض الواقع. على الأخص أخذ يحذر العلماء والمفكرون المسلمون ويعلو صوتهم حيال تواجد مساحات متباعدة بين الإسلام كمنظومة أخلاقية وبين أخلاق المسلمين. بكلمات أخرى، تكشف الشكاوى عن خوف حقيقي لما قد يحول إليه قلب وجوهر المجتمعات وهو الأخلاق. 
 
لا يخفى على الجميع أن هذه المخاوف غير وهمية، وأنها أتت متزامنة مع حملة إستعمارية اوروبية شرسة أخذت تلتهم جغرافيات عاشت تحت حكم الإمبراطورية العثمانية. فمنذ أوائل القرن التاسع عشر، وعلى الأخص منذ المنتصف الثاني منه، أخذت تتسابق الدول الأوروبية فيما بينها، على الأخص فرنسا وبريطانيا، وتحشد سفنها والتي حملت عليها جيوشها وعلمائها ومفكريها للسيطرة على الدول المشرقية. وهكذا، كما يعرف الجميع، تساقطت دول مركزية كمصر ودول الشام كتساقط الدومينو الواحدة تلو الأخرى، وأعلن عن تفكيك الدولة العثمانية وانتهاء حكمها. ما زالت هناك العديد العديد من الأسئلة وعلامات الاستفهام التي يجب أن تطرح لفهم ماذا حصل في تلك الحقبة من تاريخنا الحديث، وهي الفترة التي سبقت النكبة الفلسطينية وربما أيضا مما هيئّ لها – ولكن هذا موضوع آخر غير موضوع الحديث هنا. 
 
ما يهمنا في وضع الأمور في سياقها التاريخي هو من أجل العودة للحديث عن مسألة الأخلاق وهي ليست بجديدة علينا. لا أعتقد من أن هناك قارئ أو قارئة لكلامي هنا لا تتفق ولا يتفق معي على أن الأخلاق هي الأسس التي تبنى عليها الحضارات وتعتمد عليها المجتمعات في بقائها وتقدمها كمجموع بشري. وعلى هذا الصعيد المبدئي نفتخر نحن الشرقيون - رغم ضعفنا السياسي والإقتصادي -  على أننا أرقى من غيرنا، حتى أرقى من هؤلاء الذين يحكمونا. وبماذا نحن أرقى منهم؟ 
 
نحن كذلك - هكذا نقول لأنفسنا ونعيد ونكرر - لأننا ننتمي منذ عصور عتيقة إلى مجتمعات تعتمد على فضائل وقيم إجتماعية عليا مثل، العدل، والسخاء والمحبة والعفة والحياء. هذه القيم العربية المجيدة هي التي تجعل مجتمعنا متماسكاً، هذا ما نقول - بحيث نشد بعضنا بعضا، لا نقل أفاً لآبائنا وأمهاتنا، نزّكي للضعفاء ونكرم عابر السبيل، ولا ينام فينا أحد جائع أو عطشان أو صاحب حاجة. نحن باختصار أفضل المجتمعات التي عرفها التاريخ. ولكن هل فعلاً نحن كذلك؟ هل فعلاً نعتمد على الحياء في علاقاتنا الإجتماعية؟ هل نحن أسخياء ومحبين مع جيراننا؟ مع الضعفاء؟ مع المرضى؟.
 
لنطل عبر شرفاتنا ونستقرأ سريعاً حال المجتمع، ولنجد دلائل قاطعة على أننا مجتمعاً صالحاً. فلا حُجة لنا بدون براهن قاطعة لا شك فيها. إن قضية صلاح المجتمعات، والتي تعتمد على أرضية أخلاقية كما ذكرنا، تمتحن في فترات محن وأزمات. وبلا شك فنحن نعيش في زمن غريب عجيب كأنه حلم أو قصة مقتبسة من ليالي شهرزاد. ولكننا وللأسف نعيش أزمة حقيقة تهدد العالم بأكمله بما في ذلك مجتمعنا الفلسطيني. نحن في خضم حملة قوية يشنها علينا فيروس لا نراه بأعيننا ولكنه يفتك فينا جميعاً. 
 
من ناحية، فإن الفيروس ليس عنصرياً مثلنا، فهو على هشاشته أثبت أنه أفضل منا، لا يفرق بين مسلم ومسيحي، ولا يافاوي وغزاوي، ولا يميز بين أصحاب الأموال والطبقات المدللة وعامة الناس، ولا بين الأبيض والأسود والقمحي، ويحترم الفروقات الجندرية. ولكن ومن ناحية أخرى، فالفيروس يختص بتهديده فئات أكثر من آخرى. الفئة الأولى، هي الجيل الذي نفتخر به ونحبه أكثر من أنفسننا، أمهاتنا وآبائنا وما تبقى لنا من أجداد وجدات، وهم قلائل. جيل الكبار في السن والذين أغلبهم يعانون من أمراض مزمنة في القلب وأجهزة التنفس تجعل مقاومتهم للمرض تكاد تكون مستحيلة. فماذا نفعل حيال منع انتقال الفيروس لهم وحمايتهم والعديد ما زالوا لا يقومون بأقل ما يجب لمنع تفشي الوباء؟ هذا التعامي لدى البعض يهدد حياة جيل كامل ويضعهم في خطر حقيقي وعليه فهو يهدد حياتنا ككل. ولا حياة لجيل الشباب دون هذا الجيل. 
 
الفئة الأخرى، والتي تعاني أكثر من غيرها هي الطبقة الفقيرة والتي انضم إليها مؤخراً آلاف العاطلين عن العمل. فلنؤجل الحديث عن ثورة اجتماعية شاملة – وهي ما نحتاج إليه بلا شك – فلا مجال الآن للحديث الفلسفي عن حاجة الإنسان للعدل والحرية والسعادة وتحقيق الذات، ولا وقت للخوض في طوق الأمم الشرعي في سيادة ذاتها. دعونا من الثورات والحقوق لكي نُعنى الآن فقط في الأساسيات – البقاء على قيد الحياة. فهل نظرنا حولنا لنرى من من جيراننا ينام هنيئاً ملباة حاجاته الأساسية؟ وهل فينا مجموعات تعمل لتقصي ذلك؟ 
 
هذا الفيروس هو امتحان لنا كأفراد وكمجموع يفخر بكونه صاحب أخلاق راقية، فمن أجل التاريخ ومن أجل الغد تعالوا نحافظ على ما تبقى لنا.
 
زهية قندس.

بامكانكم ارسال مواد إلى العنوان : [email protected]

أضف تعليق

التعليقات

1
كلام قيم جدا من شخصيه مثقفه راقيه وطيبه
من اللد والرمله - 19/04/2020
2
كلام مميّز من إنسانة مميّزة نفتخر فيكي دائماً!
تسنيم - 19/04/2020
3
كل الاحترام يا غاليه احلى كلام...رافعه راسنا دائماً.
زينب اغباريه - 19/04/2020
4
ما اروعك يا زهيه....دمت وعشت قدوه للاخلاق الراقيه.. ابدعت في كلماتك لك تقديري واحترامي
معلمه امال ..ام فراس جخلب - 19/04/2020
5
بوركت كل الاحترام كتر الله من امثالك
عزمي ناطور - 19/04/2020
6
بجد روعه من زمان مااسمعنا كلام وكتابات زي هيك بجد كلامك حبيبتي زهيه فوق المستوى العالي الله يسعدك ويحميكي صحيح الي قال من شابه اباه فما ظلم وانا بقول من شابه أهله فما ظلم إلى الأمام ياغاليه
ايمان الشقره - 18/04/2020
7
بارك الله فيك وحفظك نفتخر بك الي الامام
يافا - 18/04/2020
8
جزاكي الله خير على كلامك الطيب
نضال قندس - 18/04/2020
9
كل احترام اختي على هذا الكلام الرائع الجوهره
خضره ام محمد محاميد - 18/04/2020
10
اولا ، احترامي للموقع على نشر هذا المقال ، واحثه الاكثار من نشر مقالات لابنائنا وبناتنا اصحاب الاقلام من الجيل الصاعد وهم كثر ولله الحمد . ثانيا ، عزيزتي الغالية زهية ، راقني ما كتبت ، نعم هذا " الفيروس " اعطانا فتره رائعة للتفكر والاتعاظ ومحاسبة النفس وان ننظر نظرة تأمل الى احوالنا وكم نحن بعيدين عن قيمنا وتعاليم ديننا ، فالاخلاق الذي حثنا عليها ديننا الحنيف تكاد ان تكون معدومة ، الا من رحم ربي ، ففقدنا كأمة خصوصيتنا وافضليتنا على الأُمم، فهان امرنا على الامم وتشتت منا الجماعات والافراد واصبح بأسنا بيننا شديد . ارى ما نحن عليه استمرار للاستعمار ، استعمار فكري وعقائدي ( وقد يكون اصعب من الاستعمار الجغرافي ) . ولن نكون ، اختي العزيزة ،كما تريدين ان نكون في مقالك الرائع الا اذا التزمنا بالاخلاق التي ارادها الله ورسوله لنا . استمري في كناباتك عزيزتي فهي كمثلك مميزة .
عبد الحليم محمود سطل - 18/04/2020
11
بوركت غاليتي ام كريم وبارك الله بعلمك وزادك الله علما ونفع بك الامة .
باكزة سكسك - 18/04/2020
12
ماشاء الله الله يسعدك مافي أرقى من هذا الكلام بارك الله فيكي ايش هل المستوى الرفيع انت فخر واعتزاز ليافا واهل فلسطين
استاذ - 18/04/2020
13
ما شاء الله
ام حسن - 18/04/2020
14
بنت ابوها.كل الاحترام
جورج - 18/04/2020
15
صحيح .الفيروس الذي لا ينفك عنا هو فيروس العنف واللامبالاة وسوء الأخلاق . صح كلامك ودمت لنا فخرا وبراسا .
محمد أبو سيف - 18/04/2020
16
ما شاء الله نفتخر فيكن أيتها النساء الوفيات والمثقفات.
منتهى - 18/04/2020
17
على الوعج إلى الامام شكرا جزيلا .نريد المزيد
محمد - 18/04/2020

تعليقات Facebook