اغلاق
اغلاق
  ارسل خبر

من حيفا إلى الأقصى الحبيب - بقلم: الشيخ رائد صلاح

 
كان ذلك يوم السبت الموافق 2015/5/9، عندما اجتمعنا في ساحة مسجد الشيخ عبد الله في حي الحليصة في حيفا، استعدادًا للانطلاق في مسيرة (من حيفا إلى الأقصى الحبيب) مشيًا على الأقدام.
 
وقبل أن أتحدث عن هذه المسيرة وعن رسالتها أود أن أكشف عن سر جمعني مع هذا المسجد لم أكشفه على الملأ حتى الآن. وتَرجع بداية هذا السر عندما كنت أعود مريضًا ذات يوم في بداية الثمانينيات أنا ومجموعة من أبناء الحركة الإسلامية كان يرقد في مستشفى (رمبام)، وبعد أن عدنا ذاك المريض وخلال خروجنا من المستشفى حان وقت الصلاة، فقررنا أن نصلي لأول مرة في حياتنا في أحد مساجد حيفا، فشاء الله تعالى لنا أن نصلي في مسجد الشيخ عبد الله في حي الحليصة، ولكن عندما دخلنا إلى المسجد لم نجد أحدًا فيه، فصلينا وحدنا، ثم بعد أن أنهينا صلاتنا وقفت على شرفة المسجد وأخذت أسأل نفسي، وأنا أنظر إلى البيوت والطرقات في حي الحليصة: هل سيخرج من هذا الحي من يرفع الأذان في هذا المسجد؟! ومن يقوم فيه إمامًا؟! ومن يحافظ على الصلاة خلف هذا الإمام؟! سألت نفسي تلك الأسئلة وفاضت عيناي بالدموع!!
 
ثم ماذا؟! ها نحن في عام 2015، أي بعد مرور خمسة وثلاثين عامًا على تلك الصلاة الأولى لي في مسجد الشيخ عبد الله، ها نحن ننضم إلى أبناء مسجد الشيخ عبد الله، الذين قرروا أن يسيروا على أقدامهم (من حيفا إلى الأقصى الحبيب) تأكيدًا منهم على وحدة المصير بين حيفا والقدس المباركة، وبين مسجد الشيخ عبد الله والمسجد الأقصى المبارك، وهذا يعني أن حياة حيفا ومسجد الشيخ عبد الله جزء من حياة القدس والمسجد الأقصى المبارك، وأن كرامة حيفا ومسجد الشيخ عبد الله جزء من كرامة القدس والمسجد الأقصى المبارك، وأن حرية حيفا ومسجد الشيخ عبد الله جزء من حرية القدس والمسجد الأقصى المبارك، فسبحان الله العظيم الذي أعاد الروح إلى مسجد الشيخ عبد الله بعد أن صمت فيه الأذان لعقود من الزمان، وهجره أهله هجرانًا كاد أن يتحول إلى قطيعة، ولكن شاء الله تعالى ودبت الحياة من جديد في هذا المسجد وخرجت منه هذه الطائفة التي احتشدت على قلب واحد وجسد واحد وفي صف واحد وتحت راية واحدة صبيحة يوم السبت الأخير، وانطلقت بتلك المسيرة (من حيفا إلى الأقصى الحبيب) مشيًا على الأقدام لنصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين!! وكان لي شرف المشاركة في هذه المسيرة منذ لحظاتها الأولى، حيث مشيت على قدميّ خلف هذه المسيرة كجندي أسمع وأطيع للأخ الفاضل "سندباد طه"، الذي قاد تلك المسيرة مشيًا على الأقدام منذ ذاك السبت حتى يوم أمس الخميس الموافق 2015/5/14، حيث دخل بهذه المسيرة في هذا اليوم إلى المسجد الأقصى المبارك، بعد أن مشى على قدميه مع أبطال هذه المسيرة ما يزيد عن المائتي كيلومتر، وبعد أن تورمت أقدامهم وتشققت وأثخنتها الجراح وسالت منها الدماء، وبعد أن سرت الأوجاع على امتداد أرجلهم وظهورهم وأيديهم ورقابهم، وبعد أن أعياهم التعب وحاصرهم الإرهاق ولازمتهم الآلام، ومع ذلك أصروا على مواصلة المسير وظلوا يمشون على أقدامهم نهارًا، ويفزعون إلى النوم ليلًا في بيوت الأهل الكرام الذين استضافوهم خلال ليالي هذه المسيرة في الداخل الفلسطيني وفي القدس المباركة!!
 
ولأني شاركت ببعض مسارات هذه المسيرة فقد رأيت من لطائف الله تعالى الكثيرة التي أحاطت تلك المسيرة منذ لحظاتها الأولى وحتى منتهاها، وها أنذا أذكر بعض هذه اللطائف الربانية: 
1. عندما انطلقت المسيرة في يومها الأول صممنا أن نصل في ختام ذاك اليوم إلى مدينة أم الفحم، وخلال مشيي مع أبطال تلك المسيرة لاحظت أن أحد أولئك الأبطال كان طفلًا صغيرًا من مدينة حيفا مشى إلى جانبنا على قدميه رغم أنه لم يمض عليه سوى خمس سنوات من عمره، ومع ذلك ظل صامدًا وصابرًا. وقد سرت في كل جسدي قشعريرة خشوع واعتزاز، عندما رأيت ذاك الطفل قد تعب؛ فحمله أبوه على ظهره وواصل يمشي على قدميه إلى جانبنا حتى وصلنا بعد ساعات طويلة من المشي على أقدامنا إلى مدينة أم الفحم. 
 
2. خلال مشينا على أقدامنا في اليوم الأول كان قد أنهكنا التعب، وكان العطش قد أخذ منا كل مأخذ، وكنا قد قطعنا أكثر من نصف الطريق التي تقع بين حيفا وأم الفحم، وفجأة وإذ بسيارة تقف إلى جانبنا، ثم ترجّل منها أحد الأهل الكرام الذي ما كنا نعرفه قبل ذلك، وحَيّانا بأصدق الكلمات وأحر العواطف وَقَدَّم لنا قنينة ماء بارد ذات حجم كبير وانطلق بعد ذلك، وحتى الآن لا نعرف اسمه ولا نعرف في أية بلدة من الداخل الفلسطيني يسكن هذا الشاب الشهم الكريم. 
 
3. عندما انطلقت مسيرة (من حيفا إلى الأقصى الحبيب) في يومها الأول، وعندما كنا نواصل المشي على أقدامنا في اتجاه مدينة أم الفحم ما كانت تتوقف أصوات "زامور السيارات" التي كانت تنطلق بقوة لتحيينا بين الفترة والأخرى، ثم لما واصلنا سيرنا مشيًا على الأقدام في اليوم الثاني من أم الفحم نحو الأقصى الحبيب، ولما كنا في شارع وادي عارة لم تتوقف أصوات "زامور السيارات" الصاخبة، خصوصًا الشاحنات العملاقة، لدرجة أنه خُيِّل إلي أننا في "زفة عريس"، وكنا نجتهد عند انطلاقة صوت كل "زامور" أن نرفع أيدينا في الهواء لنرد التحية لسائق السيارة الذي أطلق "الزامور"، ولذلك كانت أيدينا ممدودة معظم الوقت في الهواء، لدرجة أن أحد أبطال المسيرة اقترح مازحًا أن نبقي أيدينا ممدودة في الهواء. ثم لما أكملت المسيرة سيرها ما بعد مدينة باقة الغربية وبمحاذاة قرية جت وقرية زيمر، ولما كانت بمحاذاة مدن قلنسوة والطيبة والطيرة كانت أصوات "زامور السيارات" لا تنقطع كذلك، وكذلك الحال عندما مرت المسيرة بمحاذاة بلدات جلجولية وكفربرا وكفرقاسم ومدينة اللد، وقد عكس ذلك قوة التعاطف الشعبي من قبل أهلنا في الداخل الفلسطيني مع هذه المسيرة. 
 
4. عندما انطلقت المسيرة في اليوم الثاني، وعندما كنا بمحاذاة قريتي عارة وعرعرة وإذ برجل كبير في السن من أهلنا تقدم منا وقال بحسرة وألم: يا ليتني كنت معكم فأفوز فوزًا عظيمًا!! ثم عندما كنا في ذاك الموقع وإذ بإحدى النساء تصيح من بعيد: انتظروا!! فانتظرنا، فاجتازت الشارع الذي كان مزدحمًا بالسيارات جريًا نحونا، ولما أصبحت على بعد أمتار منا حيتنا أجمل التحيات، ثم راحت تصورنا بهاتفها الخليوي وهي تقول: يشرفني أن ألتقط لكم هذه الصور!! ثم كم كان المشهد مؤثرًا عندما تقدمت منا امرأة أخرى ونحن بمحاذاة مدينة الطيبة وراحت تحيي المسيرة ودموعها تسيل على خديها. 
 
5. وأما عن المشروبات والحلويات والفواكه والمعجنات التي كان يقدمها الأهل لأبطال المسيرة خلال مرورهم على مداخل عشرات البلدات في المثلث، فكادت أن تغمرنا من رؤوسنا حتى أخمص أقدامنا، لدرجة أن بعض السيارات التي كانت ترافقنا خلال مشينا امتلأت بكل هذه الأصناف من التشريفات، فألف تحية لكل هؤلاء الأهل الذين غمرونا بكرمهم، في بلدات أم الفحم وعارة وعرعرة وكفرقرع وباقة الغربية وجت وزيمر وقلنسوة والطيبة والطيرة وجلجولية وكفربرا وكفرقاسم واللد، وألف تحية خاصة لكل أهلنا في القدس المباركة الذين احتفوا بوصول أبطال هذه المسيرة إلى القدس المباركة يوم الأربعاء الموافق 2015/5/13، ثم احتفوا بوصولهم إلى المسجد الأقصى المبارك يوم الخميس الموافق 2015/5/14. 
 
6. هذا غيض من فيض اللطائف الربانية التي جللت المسيرة، لدرجة أن الطقس على مدار أيام المسيرة كان غائمًا، وكان الهواء عليلًا ومنعشًا، وتساقطت زخات من المطر الخفيف علينا أكثر من مرة، ما غسل عنا أدران الوسخ، وجدد فينا الهمة والعزيمة، وطهرنا من وساوس التبلد والكسل والخمول. 
 
7. أراد الإخوة في حيفا أن تكون هذه المسيرة بمثابة رسالة محلية تدعو الأهل في الداخل الفلسطيني إلى نصرة القدس والمسجد الأقصى المباركين ولكن شاء الله تعالى لهذه المسيرة أن تتحول رسالتها من رسالة محلية إلى رسالة عالمية، وصلت إلى الأمة المسلمة والعالم العربي والشعب الفلسطيني، ولذلك لا أبالغ إذا قلت إن هناك المئات من وسائل الإعلام ما بين قنوات فضائية وإذاعات وصحف ومواقع قد تحدثت عن هذه المسيرة على امتداد كل أيامها من السبت حتى الخميس. 
 
8. ومع قناعتي أنه لا يمكنني أن أكتب عن كل أبعاد هذه المسيرة المباركة عبر سطور مقالة واحدة، إلا أنني أرى من الواجب أن أقدم تحية خالصة من عميق قلبي إلى كل الإخوة الذين كانوا أبطال هذه المسيرة بداية من الإخوة في حيفا، ثم في سائر قرانا ومدننا في الداخل الفلسطيني. 

بامكانكم ارسال مواد إلى العنوان : [email protected]

أضف تعليق

التعليقات

تعليقات Facebook