في مثل هذه الأيام من كل عام، تعود رائحة الحمضيات لتملأ بساتين يافا، حاملة معها تاريخًا عريقًا ارتبط باسم المدينة، حيث اشتهرت يافا منذ قرون بزراعة البرتقال ذي المذاق الفريد والجودة العالية، الذي وصل صيته إلى مختلف أنحاء العالم.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن أحد ضباط حملة نابليون عام 1799 وصف برتقال يافا بأنه «برتقال قصور ملوك أوروبا»، في إشارة إلى مكانته المميزة وجودته الاستثنائية. ومع تطور الزراعة، انتقلت زراعة البرتقال في يافا من مرحلة الإنتاج المحلي إلى مرحلة التصدير، خاصة بعد ظهور البرتقال الشمّوطي في القرن التاسع عشر الميلادي، والذي يُعتقد أنه تطوّر كطفرة جينية من البرتقال البلدي.
وشكّل البرتقال الشمّوطي مشروعًا زراعيًا ناجحًا، إذ اتسعت مساحات زراعته بشكل ملحوظ، لتصل في الربع الأول من القرن التاسع عشر إلى نحو 500 دونم. ولضمان وصول المنتج إلى الأسواق العالمية بأعلى جودة، كان البرتقال يُصنّف بعناية حسب الحجم والنوعية، وتُلف كل حبة بورق خاص لحمايتها أثناء النقل.
وفي عام 1886، بعث القنصل الأميركي في القدس، هنري غيلمان، تقريرًا إلى مساعد وزير الخارجية الأميركي ج. د. بورتر، أشاد فيه بالجودة العالية لبرتقال يافا وبالأساليب المبتكرة التي استخدمها المزارع الفلسطيني في تطعيم الأشجار. بل واقترح في تقريره أن يعتمد المزارعون الأميركيون في ولاية فلوريدا طرق الزراعة الفلسطينية كنموذج يُحتذى به.
ورغم محاولات منافسة الإنتاج الفلسطيني في فترات لاحقة، إلا أن برتقال يافا بقي متفوقًا كماً ونوعًا، ليظل رمزًا زراعيًا واقتصاديًا وثقافيًا للمدينة، وشاهدًا حيًا على تاريخها الزراعي العريق الذي ما زال حاضراً حتى اليوم.
التعليقات