يُعدّ "بيت سليم كسار" في منطقة أبو كبير، المعروفة تاريخيًا ببيوت البيارة، من أبرز المباني التاريخية الباقية في مدينة يافا، ومن النماذج النادرة التي ما زالت شاهدة على المكانة الزراعية والتجارية التي تمتعت بها المدينة في أواخر القرن التاسع عشر.
ويتكوّن المبنى من طابقين، وتبلغ مساحته الإجمالية نحو 900 متر مربع، وقد شُيّد في القرن التاسع عشر على يد "سليم كسار"، وهو تاجر عربي من أصل لبناني، تنحدر عائلته من مالطا، وكان قنصلًا لأكثر من 12 دولة، من بينها فرنسا.
وامتلك كسار مساحات واسعة من الأراضي ومزرعة بالقرب من قرية المير، كما ارتبط اسمه بعدد من صفقات الأراضي في المنطقة، من بينها أراضٍ بيعت لإقامة مستعمرة بتاح تكفا على أراضي قرية ملبس.
وكان منزل كسار في يافا، إلى جانب منزله في أبو كبير جنوب طريق يافا–القدس، يُستخدم قصرًا صيفيًا للضيافة والترفيه، في مشهد يعكس ثراء أصحاب البيارات ومكانة يافا الاقتصادية في تلك الفترة.
تفاصيل معمارية نادرة
يتميّز البيت بتصميم معماري فاخر، إذ يضم الطابق الثاني مساحة مركزية واسعة تُعرف باسم **"الليوان"**، تحيط بها غرف المعيشة، ويؤدي إليها درج عريض.
وزُيّنت أرضيات الطابق الثاني وجدرانه وأسقفه برسومات زخرفية، فيما تميّزت الأسقف الخشبية بأعمال خشبية دقيقة. كما احتوت المساحة المركزية على عناصر معمارية عثمانية، بينها أعمدة رخامية وأقواس.
وتُعد نوافذ المنزل من أبرز تفاصيله المعمارية، لما تحويه من زخارف حجرية وخشبية، إضافة إلى فتحات تهوية في أعلى الجدران الخارجية ومزراب مزخرف لا يزال قائمًا حتى اليوم.
أما الطابق الأرضي، فكان مخصصًا لتخزين المحاصيل وإيواء العمال والحيوانات، ويضم خزائن متقاطعة وحوضًا أصليًا كان يُستخدم لري الخيول والإبل.
بئر تاريخي في قلب البيت
ويضم فناء المنزل بئرًا تاريخيًا كان جزءًا أساسيًا من نظام الري في المكان، حيث كانت المياه تُضخ إلى حوض تخزين، ثم تتدفق عبر قنوات لري البساتين والحديقة المحيطة بالمنزل.
ويُعتبر البئر من الآبار المهمة المحفوظة في بساتين يافا التي تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، فيما يُرجّح أن يكون مبنى التخزين الموجود في الفناء أقدم أجزاء الموقع، وقد يعود عمره إلى عدة قرون.
من بيت فلسطيني إلى مبنى عسكري
بعد النكبة، استولت سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المبنى، وأُدرج ضمن ما يُعرف بـ"الأملاك الغائبة"، قبل أن يُستخدم لاحقًا من قبل الجيش الإسرائيلي.
ورغم التغييرات التي أُجريت على المبنى خلال السنوات الماضية، بما في ذلك إغلاق بعض النوافذ وإقامة جدران وتحويل مجمع التخزين إلى ساحة، فقد حافظ البيت على أجزاء واسعة من هيكله ومعالمه الأصلية، بما في ذلك السقف الذي جرى تجديده وشبكات المياه والكهرباء والهاتف.
ويُصنّف بيت سليم كسار اليوم من أكثر بيوت البيارة التاريخية في يافا حفاظًا على معالمها الأصلية، ويشكّل نموذجًا نادرًا للعمارة العربية الثرية التي ازدهرت في المدينة، ويوثّق جانبًا من تاريخ يافا الزراعي والاجتماعي والاقتصادي قبل النكبة.
التعليقات