انتهت انتخابات الكنيست الإسرائيلي، واحتفلت القيادات العربية بما وصفته بالإنجاز التاريخي، بعدما حصدت الأحزاب العربية 19 مقعدًا، وسط آمال بأن تتحول المشاركة الجماهيرية الواسعة إلى قوة سياسية تسهم في إبعاد اليمين المتطرف وانتزاع حقوق المواطنين العرب.
لكن التحركات والتصريحات التي أعقبت الانتخابات أعادت إلى الواجهة سؤالًا جوهريًا: هل يُسمح للعرب بالتأثير في الحكم، أم أن المطلوب منهم المشاركة في الانتخابات فحسب؟
لطالما رأى دعاة المقاطعة أن الكنيست صُمّمت لخدمة المشروع السياسي للدولة اليهودية، وأن مشاركة العرب فيه تُستخدم لتحسين صورة إسرائيل أمام العالم، بوصفها «واحة للديمقراطية» تتيح للأقليات التمثيل والتعبير. وبحسب هذه الرؤية، يُسمح للعرب بالجلوس تحت قبة البرلمان، فيما تبقى قدرتهم على التأثير في القرارات الكبرى محكومة بسقف لا يُسمح لهم بتجاوزه.
هل فعلا يريدون للعرب المشاركة في الانتخابات والمشاركة في الحكم؟! والجواب لا .
جاءت ردود الفعل الرافضة للشراكة مع الأحزاب العربية لتعزّز هذه الحجة. فحين كانت المشاركة العربية ضعيفة، اتُّهم العرب باللامبالاة والعزوف عن ممارسة حقهم الديمقراطي؛ وحين شاركوا بكثافة وأظهروا قدرة على تغيير موازين القوى، تحوّل حضورهم إلى مادة للتحريض والتشكيك في شرعية تأثيرهم.
فأيّ ديمقراطية تدعو المواطنين إلى التصويت، ثم ترفض النتائج السياسية لأصواتهم؟
المشكلة ليست في عدد المقاعد وحده، بل في ما يمكن أن تصنعه هذه المقاعد. فما قيمة الحصول على 19 مقعدًا، أو حتى 25، إذا بقيت الأحزاب العربية خارج دوائر القرار، وإذا استمر التعامل مع حقوق المواطنين العرب باعتبارها موضوعًا للمساومة، بدلًا من كونها استحقاقًا تفرضه المواطنة والمساواة وافرازات الانتخابات الديموقراطية؟
هنا يلتقي المشهد مع جوهر ما حذّر منه المقاطعون: أن تتحول المشاركة العربية إلى شهادة تُقدَّم للعالم على ديمقراطية إسرائيل، فيما لا يُترجم هذا التمثيل إلى حقوق فعلية أو قدرة مؤثرة على تغيير السياسات. عندها تصبح المقاعد إنجازًا عدديًا، وتبقى المساواة بعيدة عن حياة الناس.
ولا يكفي الرد على هذه المخاوف بالاحتفاء بنسبة التصويت أو بحجم الكتلة العربية. المطلوب تقديم إجابة واضحة: كيف سيُترجم هذا الحضور إلى حماية للبيوت من الهدم، ومواجهة للجريمة، وإنهاء للتمييز، وانتزاع للحقوق؟
إن التحركات السياسية والخطاب الإعلامي الرافضين لتأثير العرب يمنحان موقف المقاطعين قوة إضافية، ويضعان المدافعين عن المشاركة أمام اختبار يتجاوز صناديق الاقتراع. فالرهان على الكنيست لا تثبت جدواه بكثرة المقاعد،لا الساسة ترى في العرب شركاء ولا الاعلام يرى في قوة سياسية يسمح لها بالحكم ولا الدولة العميقة ترى في العرب شركاء .
لقد أثبتت الجماهير العربية قدرتها على الحشد وتنظيم قدراتهم نحو التأثير لكن الدولة العميقة بكامل مركبات الدولة لا تريد شراكة حقيقية انما تريد توظيف المشاركة العربية في تجميل صورة الديمقراطية الإسرائيلية، ثم التوقف عند أبواب الحكم؟.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إمكانية مشاركة الأحزاب العربية في تشكيل حكومة مستبعدة، فيما يُرجّح أن يستمر تمثيلها في إطار الدور الصوري الذي يرى المقاطعون أنه رُسم لها مسبقًا. فوفقًا لهذا الموقف، ستبقى الأحزاب العربية عاجزة عن إحداث تأثير حقيقي، حتى لو حصدت 30 مقعدًا، ما دامت مستبعدة من دوائر الحكم الفعلية وممنوعة من التأثير في القرارات المصيرية. وكأن المطلوب أن تبقى هذه الأحزاب على دكة الاحتياط، حاضرة في المشهد السياسي من دون أن يُسمح لها بالمشاركة الفعلية في صناعة القرار. فما جدوى كل هذه الجهود، وكل هذه التنازلات السياسية، إذا لم يتمكن العرب من تحقيق الحد الأدنى من مقومات التأثير، وترجمة أصواتهم إلى تغيير ملموس في واقعهم؟ولما فعلها العرب اخذت الدولة تشكك في نزاهة الصوت العربي. اي دولة هذه ؟ وما اقبحها من ديموقراطية.
التعليقات