الأحد ، 13 شعبان ، 1447 - 01 فبراير 2026
|
|
YAFA
sms-tracking ارسل خبر

العمارة كأداة سيطرة لا كإعمار في غزة .. بقلم: سنان عبد القادر

يافا 48 2025-12-25 08:41:00
العمارة كأداة سيطرة لا كإعمار في غزة .. بقلم: سنان عبد القادر


وبالرغم من أن نقد تصوّرات "مشروع الشروق" (طرح الولايات المتحدة لتحويل غزّة إلى مدينة فائقة التكنولوجيا) لا يمكن اختزاله في التصميم أو الشكل، فإن المقترح المعماري بحدّ ذاته يثير لديّ اشمئزازًا مهنيًا عميقًا، لأنه لا يُقدَّم كجزء من مدينة قائمة، بل كصورةٍ معزولة عن الأرض والناس والحقوق.

المعمار في هذه المقترح ليس مجرّد خيار تصميمي، بل خيارٌ ثقافي يرتبط بمنطق الإنتاج البصري للرندر نفسه، حيث تُعاد صياغة المدينة كصورةٍ قابلة للتداول والاستهلاك الرقمي، تُحقّق أقصى تأثير بصري بأقل تكلفة، فينسجم ذلك مع اقتصاد الاستعراض الرقمي الذي يهيمن على المخيال المعاصر ويستبدل اختبار الواقع بإدارة الانطباع. وحين تُختزل المدينة في الرندر، تُعلَّق الأسئلة التي تمنحها صفتها كمدينة: من يملك الأرض؟ من يصل إلى الموارد؟ ومن ينتفع من القيمة المتولّدة من المكان؟

لا يمكن التعامل مع غزة كمساحة قابلة لإعادة التطوير وفق منطق استثماري مفروض من الخارج. فالعمران ليس عملية بناء فقط، بل منظومة تنظّم علاقة المجتمع بالأرض وبالمقوّمات الاقتصادية المرتبطة بها.

غزة ليست مجرد مدينة مدمّرة تحتاج إلى وحدات سكنية، بل مكان يمتلك قيمةً مركّبة، أصلها أهلها، أصحاب الحق الأسبق في أرضها وموقعها من موارد طبيعية في باطن الأرض والبحر وظاهرهما، وثروات طبيعية قابلة للانتفاع الجمعي، وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا على المتوسط يصل بين قارتين ويشكّل بوابة وصل بين عالمين. هذه ليست عناصر "جذب اقتصادي" محايدة، بل مقوّمات يعيش منها المجتمع، وتقوم عليها ملكيات خاصة وعامة في آنٍ واحد.

وأي مشروع من نوع "الريفييرا" يفترض، بحكم طبيعته، مصادرة مساحات واسعة من الأراضي ذات الملكية الخاصة، وإعادة تجميعها تحت سلطةٍ تملك شرعية نزع الملكية. وفي غياب دولة فلسطينية ذات سيادة، لا يمكن تنفيذ مثل هذا النموذج إلا عبر شرعنة الاستعمار ليقوم بدور المنظّم القانوني للأرض، أو عبر فرض واقعٍ قسري يتجاوز القانون، وهو ما يحوّل الإعمار إلى إعادة ترتيبٍ للسيطرة، لا إلى إعادة بناءٍ للحياة.

من منظور الاقتصاد السياسي للمكان، لا يكون الإعمار عادلًا ما لم يضمن بقاء السكان في فضائهم، وقدرتهم على الوصول إلى مواردهم والانتفاع من عوائدها، لا أن يُعاد تعريف الأرض والبحر كأصولٍ تُدار بمعزل عن المجتمع الذي يمتلكها ويصنع قيمتها.

العمارة والتخطيط في غزة لا يمكن أن يكونا فصلًا تقنيًا بعد الحرب، لأنهما كانا أصلًا ساحة الصراع نفسها: على الأرض، على الموارد، على من يقرّر، ومن ينتفع، ومن يبقى صاحب السيادة على المدينة.

غزة ليست أيقونة، ولا مشروعًا، ولا فرصة استثمارية. هي مدينة لها أهل، وملكية، وموارد، واقتصادٌ حقيقي متجذّر في المكان. وأي إعمار لا يبدأ من هذه الحقيقة، مهما بدا أنيقًا، سيبقى استمرارًا للعنف بلغةٍ أكثر نعومة، لا إعمارًا بعدالة.

comment

التعليقات

0 تعليقات
إضافة تعليق
load تحميل
comment

تعليقات Facebook