الاثنين ، 27 رمضان ، 1447 - 16 مارس 2026
|
|
YAFA
sms-tracking ارسل خبر

"بين الحدث والهوس" بقلم: عمر زهدي السكسك

يافا 48 2026-03-16 17:08:00
"بين الحدث والهوس" بقلم: عمر زهدي السكسك

على مدى العقود الأخيرة، جرى ترويج صورة نمطية تحاول ربط الإسلام والمسلمين بالعنف والإرهاب، وكأن أمةً كاملة وتاريخًا طويلًا من الحضارة يمكن اختزالهما في هذا الادعاء الباطل. 

غير أن نظرة صادقة إلى التاريخ تكشف حقيقة مختلفة تمامًا ،  فالمسلمون والعرب كانوا من رواد الحضارة الإنسانية، وأسهموا إسهامًا عظيمًا في تطوير العلوم والمعرفة التي ما زال العالم يستفيد منها حتى يومنا هذا.

ففي مدن مثل بغداد وقرطبة ودمشق ازدهرت حركة العلم والترجمة، وظهرت علوم جديدة مثل علم الجبر، وتطورت دراسات الفلك والطب والكيمياء، وأصبحت الجامعات الحديثة تدرّس الكثير من تلك المعارف التي وضع أسسها علماء مسلمون.
وفي المقابل، فإن التاريخ العالمي الحديث شهد حروبًا مدمرة قادتها قوى كبرى، مثل الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، اللتين أودتا بحياة عشرات الملايين من البشر وخلّفتا دمارًا هائلًا. لذلك فإن محاولة إلصاق تهمة الإرهاب بحضارة أو دين بأكمله تتجاهل حقائق التاريخ وتعقيداته.
إن الحقيقة التي ينبغي التأكيد عليها هي أن الإسلام، في جوهره، دين يدعو إلى الرحمة والعدل وكرامة الإنسان، وأن مساهمة المسلمين في بناء الحضارة الإنسانية هي دليل واضح على أن هذه الأمة كانت — وما زالت — قادرة على أن تكون جسرًا للعلم والثقافة والتعايش بين الشعوب
منذ سنوات طويلة يحاول رؤساء الحكومات ووزراؤهم سرد رواية صهيونيةعقائدية هدفها ترسيخ أذهان العالم صورة مشوهه: أن العرب والمسلمين هم مصدر الإرهاب.  نحن نعرف من أتى بداعش وأمثاله حسب اعتراف هلري كلينتون بما يسمى الحرب بالوكالة، وسخروا لذلك مأتم من وسائل الإعلام المحلية والعالمية، وكرروا الرواية حتى بدت وكأنها حقيقة غير قابلة للنقاش . لكن الحقيقة لا يمكن دفنها الى الابد.
فمن يتأمل التاريخ يرى أن الشعوب العربية والإسلامية كانت في مراحل طويلة منارة للعلم والمعرفة فأبدعوا بالطب وعلم الفلك والخبر والفلسفة وغيره ، 
بينما يعيش اليوم ملايين الفلسطينيين تحت واقع اليم من احتلال وقمع وتنكيل قاسي منذ عقود .واقع مليء بالحواجز والجدران الفاصلة والاسلاك  الشائكة التي لا تخنق الارض فقط .بل تخنق الحياة نفسها .أمهات ينتظرون أبنائهم خلف الحواجز ،أطفال يكبرون تحت صوت القذأف والقصف وقرى ومدن تحاصرها المستوطنات التي صارت الارض وضيقت على اصحابها سبل العيش . مشهد يتكرر يوميا حتى أصبح الألم جزء من تفاصيل الحياة اليومية .
ومع كل ذلك ما زال هذا الشعب متمسك بالحياة والأمل، وبحبه في الحرية والكرامة .
فالقوة الحقيقية لا تقاس بقدرة الجيوش ،بل بقدرة الإنسان على التمسك باءنسانيته رغم كل ما يحيط به من قسوة .
التاريخ علمنا ان الحقيقة قد تتأخر في الظهور ، لكنها لا تختفي 
وأن العدالة قد تتغير ،لكنها في النهاية تجد طريقها .
نحن في زمن الذي يتغنى فيه الغرب بشعارات الحرية والديمقراطية ، يحق لنا ان نسأل : اين تختبىء هذه القيم عندما تتحول مصانعهم الى معامل لإنتاج أسلحة الدمار الشامل ، واين تختبىء هذه القيم عند تشعل وتفتعل  الصراعات في  الدول الفقيرة لتصبح أسواق مفتوحة لتجارة السلاح ..
ان الكثير من الدول التي تتحدث بأسم حقوق الإنسان هي نفسها التي تؤجج الحروب ،وتغذي النزاعات ثم تقف على اطلال الشعوب لحبيبها السلاح وتملي عليها شروطها . فأصبح الحرية حرية مشروطه،  والديمقراطية التي يبشرون بها ديمقراطية تفرض من الاعلى محطة بالضغط والعقوبات. 
اما العالم العربي والإسلامي، فقد دفعت ثمنا باهظا عبر عقود طويلة منارة التفتيت والاستنزاف
قسمت اوطانه إلى دويلات صغيرة ضعيفة او خاضعة .تستهدف ثرواتها وتكبل قدراتها،  حتى أصبحت أسواق للاستهلاك .بدل أن تكون في ميادين الإنتاج والعلم والتقدم .
وكلما حاولت أمة ان تقف على قدميها ، أو ان تبني قوتها العلمية والاقتصادية ، تكالبت عليها الضغوط من كل جانب ،حصار هنا وعقبال هناك وتشويه إعلامي في كل مكان .وكأن العالم لا يريد لها أن ترفع رأسها فوق الوحل كي تتنفس الحرية .
ومع ذلك فإن قوة العرب والمسلمين الحقيقية لم تكن يوما في صنع السلاح ، بل في القيم الانسانية التي يحملونها: في رسالة تدعو إلى العدل والرحمة وكرامة الإنسان. 
وذلك بالقرآن الكريم الذي علمهم أن البشر متساوون في الإنسانية، وان القوة الحقيقية هي قوة العدل والانصاف. 
العالم اليوم لا يحتاج إلى المزيد من الأسلحة، بل إلى ضمير حي يضع الإنسان قبل المصالح ،والعدالة قبل القوة ،وعندما يدرك البشر هذه الحقيقة ،لن يبقى مجال للهيمنة أو الظلم ، بل سيفتح الطريق أمام عالم اكثر انصافا  ورحمة .

بقلم: عمر زهدي السكسك

comment

التعليقات

0 تعليقات
إضافة تعليق
load تحميل
comment

تعليقات Facebook