لا خلاف على أن آفة العنف والجريمة التي تضرب بداخلنا الفلسطيني تشكّل تهديداً وجودياً على أبناء شعبنا. ولا شكّ أن هذه الآفة هي مشروع سياسي تقوم عليه المؤسسة الإسرائيلية السياسية والأمنية، وهي ليست خللاً في الجينات أصاب بعض أبناء شعبنا، ولا هي حقنة شرّ أخذوها فتحوّلوا إِلى مجموعة أشرار ومجرمين، ولا هي فشل تربوي كما يحلو للبعض أن يدّعي.
وتحت طائلة بل وكابوس هذه الآفة تعلو الأصوات المطالبة بأن تأخذ الحكومة دورها عبر وسائلها في إيقاف شلّال الدم، حيث قتل في الخمس سنوات الأخيرة أكثر من ألف شاب، وفي الخمس والعشرين سنة الأخيرة قتل قريباً من 2600 شاب. لقد أصبح البعض من أبناء شعبنا ومن قسوة هذه المرحلة كالغريق الذي يمسك بقشّة على أمل النجاة وإنقاذ نفسه، فدخلت على خطّ المطالبة بوقف الجريمة، جمعيات تدّعي أنها إنسانية ويسارية، وتدّعي أنها تقف معنا بالمطالبة بوقف قتل أبنائنا في الداخل، بينما هي نفسها التي تدعم وتؤيد قتل أبناء شعبنا في غزة.
وقد رأيناهم أعضاء كنيست في أحزاب صهيونية يتباكون على آفة العنف التي تضرب مجتمعنا، بينما هم وأحزابهم يمارسون سياسات وحشية ضدّ أهلنا في غزة، وواضح أن السبب هو الاقتراب من انتخابات الكنيست الصهيوني القادمة. لقد رأيناهم قبل أيام يحجّون إلى خيمة الاعتصام ضد الجريمة في سخنين، وها هو رئيس الدولة يصل اليوم إلى سخنين متباكياً على دم أبنائنا وأيتامنا، بينما هو الذي وقّع بقلمه على قذيفة دبابة قبل أن تُطلق إلى غزة لتقتل الأطفال والنساء. وحتى الأحزاب العربية فقد جعلت آفة الجريمة وسيلة للتجييش بالدعوة للمشاركة في الانتخابات القادمة وعدم مقاطعتها لضمان حصول كل حزب من هذه الأحزاب على أكبر عدد من الأعضاء في الكنيست الصهيوني.
مظاهرة يوم السبت القريب في تل أبيب، تأتي في السياق الذي تقدّم حيث أصبح ومن أجل رفع الصوت ضد آفة الجريمة، فلا بأس بمشاركة أي كان حتى لو كان بالأمس القريب يدعو لقتل بل إبادة أهلنا في غزة، وعليه ستكون مظاهرة السبت سوقاً شعبياً يُعرض فيه كل ما هبّ ودبّ من الشعارات والهتافات حتى وإن كانت تتعارض مع بوصلتنا الوطنية والقومية والدينية.
نعم إننا نطالب بوقف السياسة الحكومية المشبوهة التي تغضّ الطرف عمداً عن عصابات الجريمة، وإننا نتّهم الحكومة بأنها تقف خلف سياسات تساهم في تشجيع آفة العنف والجريمة، لكن هذا ليس معناه أن نسمح بانحراف بوصلتنا. وإن أخطر مظاهر الانحراف هي عند من يدّعون أنهم سيعملون على مكافحة الجريمة عبر المشاركة في ائتلاف حكومي صهيوني، وهو الائتلاف نفسه الذي ولغ في دماء أهلنا في غزة والضفة، حتى لكأنهم يريدون أن يقولوا لأبناء شعبنا نريد إيقاف جرائم قتل أبنائكم في الداخل ولو على حساب جرائم قتل أبناء شعبنا وإخواننا في غزة.
ففي هذه المرحلة والظرف العصيب، يجب علينا الحذر بأن لا نسمح لأحد بأن يخدعنا، ولا لأحد أن يتّخذنا وسيلة لتحقيق غاياته، وأن نحذر ممن يدسّون السمّ مع العسل، ولا يغرينا بريق شعاراتهم فليس كل ما يلمع ذهباً.
فحذار حذار يا أبناء شعبنا.
نحن إلى الفرج أقرب فأبشروا.
التعليقات