صدق من قال "اقام العباد فيما اراد". يفهم هذا الكلام ان الله سبحانه وتعالى قد وظف الخلائق كل فيما يصلح له من العمل ويقدر عليه.
ولربما من يصلح للحرب ممن يتصف بحسن الادارة والتدبر، وكبت العواطف، وانفاذ الغيظ، والجلد، والصبر، وتحمل الم واذى مخلفات ونتائج الحرب، هو نفسه من يملك القدرة على الصلح لان في الصلح ما في الحرب من الحاجة الى حسن الادارة والتدبر، وكبت العواطف، وكظم الغيظ، والجلد والصبر وتحمل الم واذى مخلفات ونتائج الصلح من مجاهدة النفس على ترويضها على التسامح والتنازل عن الانتقام، والعفو، ونسيان ما نتح عن الخصام من ازهاق للنفوس، وتخريب الأموال والممتلكات، والتعالي على ما يسمع من كلام السفهاء والمغرضين.
ولا تخلو أي عملية صلح، من العفو والصفح وقد يرافق العفو والصفح، في كثير من الحالات، وجود المقدرة على انفاذ الغضب والانتقام لكن بالرغم من ذلك يتم الصلح بما في ذلك العفو والصفح المقدم من طرفي الخصومة كل من موقعة.
ولا غرابة أن يحدث هذا في مجتمعنا فنحن عربا، والعربي الأصيل هو الانسان الوحيد في الدنيا الذي يعفي إذا قدر.
إن تاريخ العرب يزخر بقصص الصلح والعفو والصفح والتسامح، لان العرب يعتبرون ذلك من نبل الأخلاق.
وأعظم هذه القصص على الاطلاق، هي قصة عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن قريش يوم فتح مكة حين قال صلى الله عليه وسلم "اذهبوا انتم الطلقاء" وذلك على الرغم من اخراجهم اياه منها وصحابته رضوان الله عليهم وهم كارهون وهي احب البلاد اليه كما يتجلى في قوله " أمَا واللهِ إني لأَخرجُ منكِ وإني لأعلمُ أنك أحبّ بلادِ اللهِ إلى اللهِ, وأكرمهُ على اللهِ ؛ ولولا أهلكِ أخرجُوني منك ما خَرجتُ " ورغم محاربتهم له وقتل الكثيرين من صحابته ومن ال بيته الاشراف كسيدنا حمزة رضي الله عنه وغيره. علما انه هو المنتصر في فتح مكة وقادر على الانتقام وانفاذ الغيظ والغضب لكنه صلوات الله عليه اختار العفو والصفح، كيف لا وهو النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم، الموصوف من الله تعالى وانك لعلى خلق عظيم.
وإن كانت هذه الحادثة هي الاشرف، لشرف من خطها ووضعها لكنها لم تكن هي الأولى والأخيرة في تاريخ العرب في جاهليتهم وفي اسلامهم، فهذا العباس صاحب شرطة المأمون الخليفة العباسي بن هارون الرشيد الذي كان يغزو عاما ويحج عاما، كانت له قصة رائعة في العفو والصفح وعدم نسيان الفضل إذ دخل يوما على المأمون وكان عنده رجلا مكبلا بالأغلال، فقال له الخليفة خذه إلى دارك وأتني به بالغد. فلما وصلا الدار سأل الرجل من أين أنت فقال أنا من دمشق. فلما علم أنه من دمشق قال صاحب الشرطة هربت بعد أن ثرت على بني أمية فلما غلبت هربت ودخلت دارا فرحب صاحبها بي وحماني وأحسن ضيافتي مدة من الزمن دون أن يعرفني ورتب رجوعي إلى أهلي في بغداد، وزودني بالهدايا والمال وخادما فلما وصلت بعداد توليت هذا المنصب. فقال المكبل والله أنا صاحبك فقام صاحب الشرطة وفك أغلال الرجل وزوده بالمال وقال له أهرب فرفض. وذهب صاحب الشرطة وقص القصة على الخليفة فعفى عن الرجل وقال والله لا اردي ايكما أكرم هذا الذي أكرم دون معرفة أم ذاك الذي أكرم بعد المعرفة. فكيف بالذين بينهم معرفة وفضل.
لم تكن الخلافات يوما سهلة لما يرافقها من هوى النفس والحقد والضغائن ووساوس شياطين الجن والانس لكن بالمقابل للصلح والعفو لذة تغمر القلب تنسي كل هذا ناهيك عن حفظ الانفس والأموال الذي كان ولا يزال طلب حفظها من مقاصد الشريعة الغراء.
إن من يقدر على الصلح والعفو والتسامح ويستهوي الحديث عنه لا بد ان يكون انسانا طيب النفس عريق الأصل حسن الإسلام رجلا حقيقيا لأنه لا يقدر على الانتقال من حال الى عكسه الا الرجال كاملي الرجولة حيث يقول المثل البدوي الشعبي "ما بغير وببدل الا السبع" وهذا هو الذي يستحق ان يكون مدرسة للأخلاق والنبل ويخط اسمه مع من قيل فيهم "للصلح رجال كما للحرب رجال".
بوركت اخي، وإلى الامام، وكثر الله من امثالك، إلى الامام في قول الحق.
السلام عليكم كلمات في الصميم لا مكان للخلاف ولا للحرب الصلح خير دائما بارك الله فيكم
أعجز عن شكر هذا القلم النبيل الذي سطر كلماتٍ تنبض حبًا وسلامًا، وتفيض بروحٍ صادقة تدعو إلى التآخي والتعاون بين الناس. لقد لامست كلماتك أعماق القلب، وأيقظت في النفوس معاني العفو والصلة، تلك القيم التي لا يحملها إلا رجلٌ أصيل يعرف قدر الإنسان والإنسانية. إن مقالك لم يكن مجرد حروف تُقرأ، بل كان رسالة نور تُشعّ بالمحبة، وتبني جسور الود بين القلوب، وتُذكرنا بأن الخير ما زال حاضرًا ما دام هناك من يكتب بهذا الصفاء والرقي. شكرًا لك على هذا الطرح الراقي، وعلى هذه الروح الطيبة التي تنثر السلام في كل سطر. دمت قلمًا يُحتذى به، وصوتًا ينادي بالخير والجمال في زمنٍ نحن بأمسّ الحاجة فيه لمثل هذه المعاني.
التعليقات