هناك اية في القرأن الكريم تقول
"أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ"
صدق الله العظيم
في خضمّ ما يعصف بعالمنا من حروبٍ وصراعاتٍ وتجاذباتٍ لا تهدأ، لم تعد المأساة حكرًا على ساحات القتال وحدها، بل امتدت لتكشف عن أزمةٍ أعمق: أزمة في القلب، في البصيرة، في إنسانيةٍ تتآكل بصمت.
نرى، نسمع، نتابع ،صور الدمار، أصوات الأمهات، وجوه الأطفال التي فقدت الأمان قبل أن تعرف معنى الحياة. لكن الأخطر من كل ذلك، أن هناك من ينظر إلى هذه المشاهد فلا يرى سوى أرقام. أعداد قتلى، نسب دمار، معادلات ربح وخسارة. كأن الإنسان تحوّل إلى رقمٍ في تقرير، أو سطرٍ في بيانٍ سياسي.
ليست المشكلة أن الأبصار لا ترى، بل أن القلوب لم تعد تبصر.
كم من قائدٍ يتحدث باسم الحرية، ويمارس القهر .
كم من دولةٍ ترفع راية القانون، وتدوس على أبسط معاني العدالة.
كم من خطابٍ يُزيّن القتل، ويمنحه أسماءً براقة: "أمن"، "ردع" "حماية مصالح"
هنا، تتجلّى الآية الكريمة في أقسى صورها. فالعَمى ليس في العيون، بل في القلوب التي فقدت قدرتها على الإحساس، على التمييز بين الحق والباطل، بين القوة والعدالة، بين النصر والإنسانية.
الانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الضحايا، ولا بحجم الخراب، بل بقدرتنا على الحفاظ على إنسانيتنا ونحن نواجه أصعب الظروف. فماذا يبقى من نصرٍ يُبنى على أنقاض قلوبٍ محطّمة، وأي مجدٍ يُصنع من دموع الأبرياء
حين يصبح القتل لغةً مقبولة، والتبرير مهارةً سياسية، فإننا لا نخسر فقط معركةً هنا أو هناك، بل نخسر شيئًا أعمق: نخسر إنسانيتنا.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا، قبل أن نسأل الآخرين:
هل ما زالت قلوبنا قادرة على الإحساس.
هل نرى الإنسان في وجه الآخر، أم نراه فقط من خلال هويته، أو موقعه، أو مصلحتنا منه .
العالم لا يحتاج مزيدًا من القوة بقدر ما يحتاج إلى بصيرة. لا يحتاج إلى من يرى بعينيه فقط، بل إلى من يبصر بقلبه.
لأن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها، هي أن العمى الحقيقي… ليس فقدان النظر، بل فقدان الرحمة، ومن فقد الرحمة فقد إنسانيته.
التعليقات