على درب العودة أضع اليوم بين أيديكم وثيقة تاريخية عظيمة الشأن، وهي تكتسب أهمية بالغة، خاصة الآن في أصعب مرحلة يجتازها شعبنا في تاريخه. والمراد بذلك هو مجلد "دليل جدعون - مجموعة الاستعلامات الإدارية والتجارية والصناعية والاقتصادية وجميع أسماء أصحاب المهن والتجارة في لبنان وسوريا وفلسطين" لعامي 1938-1939 الصادر في بيروت عن مؤسسات الياس وجورجي جدعون سنة 1938.
ومع ذلك فان الدليل لم يدرج او يشمل كافة أو معظم المصالح والمحلات والحوانيت والشركات التجارية والصناعية والخدمات والمؤسسات في فلسطين وسوريا ولبنان، ذلك لأن المشرق العربي كان حديث عهد في وسائل وطرق الترويج والنشر والدعاية التجارية الحديثة المحدَثة.
وكان الدليل قد بدأ في الصدور عام 1922 مشتملا على لبنان وسوريا ومنذ صدور هذا المجلد (1938-1939) الذي بين أيديكم أخذ الناشر يفرد قسما لفلسطين: "رأينا بعد ما بدا لنا من ازدهار التجارة والصناعة في الجارة فلسطين ان نختصها بقسم واف يجمع أسماء كافة أصحاب المهن والمصانع والمتاجر" كما جاء في "كلمة الادارة" تقديما للمجلد.
وأضاف الناشر في "كلمة الإدارة" من المقدمة لقسم فلسطين: "واذا كنا لم نتمكن هذه السنة من زيارة جميع المصالح والمحلات الفلسطينية فلضيق الوقت وللحالة الخاصة التي تجتازها البلاد".
من هنا يستفاد ان هذا المجلد الذي خصص لأول مرة قسما لفلسطين لا يحتوي إلا على النزر اليسير من المعلومات التجارية. كما ويصح الافتراضي انه لو استمر الدليل في الصدور متضمنا قسما لفلسطين حتى عام النكبة لكان المجلد لعامي 1947-1948 قد تضمن من المعلومات أضعاف ما تضمنه مجلد الدليل لعامي 1938-1939.
ويجدر بالذكر ان الناشر كتب في مقدمة "قسم فلسطين" بالعربية ما نصه: "وقد أتينا في القسم الفرنسي المخصص لفلسطين وفي النبذة العمومية المنشورة في أول هذا الكتاب عن سورية الطبيعية (بما فيها فلسطين) على تفاصيل وافية نرجو من القراء مراجعتها اتماما للفائدة".
وقد لا أبالغ اذا قلت انه ما كان لأمرئ مهما أوتي من قدرة على استشراف مستقبل شعبه ان يتنبأ او يتخيل ان التاريخ يضمر ويُبطن لدليل تجاري دورا غير الذي ألفه الناس واصطلحوا عليه وأنيط بكل دليل تجاري منذ بدء ظهوره على رأس كل سنة ميلادية في الغرب أولا ثم في شرقنا مطلع القرن العشرين. ذلك لان كل دليل تجاري عادي يلعب دوره إلى ان ينقضي أجله المسمى بانقضاء السنة التي حُددت له فينزل عن حلبة التاريخ إلى مزبلته، إلا هذا الدليل الذي امامكم فقد أبى إلا مجدا وخلودا، فصمت طويلا وصمد يقاوم عوادي الزمن حتى عثرت عليه في مكتبة والدي الشيخ محمد عبد المجيد الأزهري البروقيني فأخرجته من الظلمات إلى النور وسميته "دليل العائدين" ونفخت فيه من روح الحق نضالا، وكسوْته من لباس العودة سربالا.
فها أنا ذا أزف اليكم اليوم "دليل العائدين" في حلته المجددة مساهمة متواضعة في تثبّيت أصولنا وتغذية جذورنا وتعزيز ذاكرتنا الجماعية وهويتنا الوطنية وانتمائنا هنا في يافا وفي عموم فلسطين وفي المخيمات والشتات والمهجر, فلعلنا نربي الناشئة والأجيال من بعدنا لتنهض وتطلع فجر العودة الى تراب فلسطين الظمآن.
وقد تمت رقمنة "دليل جدعون: سوريا - لبنان - فلسطين 1939-1938" بكامل صفحاته البالغ عددها 878 صفحة, وسيتم تحميله على الانترنت يوم 5 أيار/مايو 2026 مع حلول الذكرى السنوية ال 78 للنكبة.
فيما يلي قائمة من الدليل في تسع صفحات عن يافا:
التعليقات