تتطلب مواجهة التحديات التي تعصف بالوجود العربي، في ظل تصاعد أصوات التطرف والسياسات التمييزية، تحليلًا دقيقًا للواقع لا يقتصر على سرد الأحداث، بل يفكك الأزمة إلى مستوياتها المهنية والمكانية، ويطرح خطة عمل متكاملة.
تشخيص الحالة: الاستهداف المهني
يواجه المواطنون العرب حصارًا مزدوجًا في بيئة العمل وفي الحيز الجغرافي، فالتحريض في القطاعات الحيوية أصبح بارزًا، وخاصة ضد الأطباء العرب، إذ تحوّل التواجد البارز للعرب في المستشفيات وتبوؤهم مراكز مهمة وعليا في المنظومة الصحية إلى مادة للتحريض المنفلت ضدهم، مما يشكل بيئة مسمومة لعملهم.
وأصبح عمال شبكات النقل العام وقطاع التخطيط والبناء أيضًا مستهدفين بسردية منظمة وعنصرية، تستهدف في آخر المطاف الوجود والحضور العربي في هذه القطاعات.
ومن جهة أخرى، برز في هذا الخطاب القلق المتزايد عند هذه المجموعات المنفلتة، كون الأطباء، خاصة، أصابوا سردية هذه المجموعات التي تحاول، بكل ما أوتيت من قوة، بناء منظومة الاستعلاء اليهودي أمام الدونية العربية، في مقتل.
إن استغلال هذه المجموعات للحالة الأمنية المتردية ومحاولة توظيفها في سبيل فرض هذه المنظومة، الرامية إلى تطبيق نظرتها العنصرية حسب مفهومها ليهودية الدولة، أمر واضح.
تهدف هذه الحملة إلى شن حملات كراهية لترهيب هذه القطاعات وإخضاعها لمنظومة الاستعلاء اليهودي، وفي المقابل، تهدد هذه الحملات أمن الأطباء وعمال النقل العام وتعرضهم للخطر أو، لا سمح الله، للاعتداءات الجسدية عليهم.
إن الاعتداءات الجسدية واللفظية التي أصابت عمال النقل العام (سائقي الحافلات) في الآونة الأخيرة خير دليل على ذلك.
إن هذا الاستهداف هو جزء من خطة كاملة تستهدف الوجود والحضور العربي الذي أصبح مؤثرًا في الحيز العام والمهني على وجه الخصوص.
كما أن خنق الحيز الجغرافي (التخطيط والبناء) على الوجود العربي قد أصبح سمة بارزة في سياسات الدولة، وتُعد سياسات التخطيط، المتمثلة في مصادرة الأراضي والمماطلة في توسيع مسطحات البناء، من أخطر الأدوات التي تهدد الوجود العربي.
تخلق هذه السياسة أزمة سكن خانقة تدفع الأهالي للبناء غير المرخص، ليواجهوا لاحقًا أوامر الهدم والغرامات الباهظة، دون توفير أي حلول بديلة لاحتياجات الناس.
إن استهداف التواجد البارز للعرب في المستشفيات (أطباء وممرضين وموظفين إداريين) من قبل مجموعات يمينية منفلتة، والتي أصبحت متنفذة في مفاصل الدولة، لا ينفصل عن المنطلقات العنصرية العميقة التي تعاني منها الدولة ككل.
فالكوادر الطبية العربية وصلت إلى تخصصات علمية ومهنية على مستويات عليا بجهدها وقواها الذاتية، وهذا المستوى الذي وصلوا إليه يصادم بشكل مباشر الفكرة النمطية الدونية التي تسعى هذه المجموعات لبنائها عن المواطن العربي.
وبدلًا من التعامل معهم ككوادر تنقذ حياة البشر وتعطي الخدمات لكل من يحتاجها بمستوى لائق، وفي كثير من الأحيان بتفوق على الأطباء الآخرين، فقد حوّل التحريض عليهم إلى مادة رائجة عند قطاع واسع من المجتمع الإسرائيلي، مما يعرضهم للخطر المهني والأمني.
لمواجهة ذلك، تبرز أهمية بناء جسم تمثيلي للأطباء العرب فورًا، وقبل تفاقم الأحداث في المستقبل القريب، وقراءة التصريحات المتزايدة كمؤشر على سيرورة التحريض في المستقبل.
إن المسؤولية تتطلب العمل بشكل منظم وعلى عدة مستويات، وبناء جسر تواصل مع النقابات الطبية العالمية و”الجمعية الطبية العالمية”، لفضح سياسة التحريض ونشر الاعتداءات عليهم، وممارسة الضغط على نقابة الأطباء الإسرائيلية لاتخاذ مواقف حازمة ضد التحريض داخل المستشفيات.
إن التصدي لهذه المخططات يتطلب الانتقال من رد الفعل إلى الفعل المنظم، وتحويل هذه القضية إلى قضية رأي عام وقضية مجتمع، وليست قضايا فردية. إن هذا التحريض يمس صلب وجودنا في هذه البلاد؛ وفي هذا الخصوص، أقترح تفعيل أربعة مسارات متوازية:
المسار القانوني: تفعيل التقاضي الاستراتيجي عبر مؤسسات حقوق الإنسان لتوثيق مخالفات التحريض قانونيًا، وبناء ملفات قانونية مع أدلة حسب قانون الأدلة والإثباتات، ومن ثم رفع شكاوى في الشرطة ومقاضاة المحرضين، أفرادًا ومؤسسات وأماكن عمل، بسبب تقاعسهم عن حمايتهم.
المسار السياسي: حتى الآن، لم نلحظ أي فعل حقيقي من الممثلين السياسيين وأعضاء الكنيست العرب لمواجهة هذه الحملة، سوى التضامن العام، ولم نلحظ أي نقاش حقيقي داخل أروقة الكنيست للقيام بأي إجراءات تنفيذية قانونية بحق المحرضين.
إن السكوت عن هذا الخطاب التحريضي سيحوله إلى خطاب شرعي مع مرور الأيام، وسوف يصبح جزءًا من النقاش السياسي المشروع.
بحثت ولم أجد أي استجواب حقيقي أو توجه للمستشارة القانونية للحكومة و/أو الادعاء العام لمناقشة كيفية مواجهة هذا الخطاب الآخذ بالانتشار.
هذا يتطلب جلسة مهنية تدعو إليها لجنة المتابعة لتحريك هذا الملف على المستوى المطلوب، وهناك الكثير مما يمكن فعله في هذا الجانب.
المسار الشعبي: المطلوب تنظيم المسار الشعبي وتطوير شبكات تضامن مجتمعي لحماية الأطباء والكوادر والعمال المستهدفين. وهذا يتطلب من لجنة المتابعة تفعيل دور اللجان الشعبية وبناءها، لتتحول إلى الأداة الأهم لتحريك الشارع عند الحاجة إلى ذلك.
المسار الإعلامي: توثيق الانتهاكات واستثمار المنصات الرقمية لإنتاج محتوى يخاطب الرأي العام المحلي والدولي لفضح السياسات العنصرية، وإقامة مؤتمرات صحفية، وبناء تضامن محلي قوي مع الكوادر الطبية والعمال.
لا يمكن فصل المعركة ضد التحريض عن المعركة من أجل الأرض والمسكن؛ فكلاهما يستهدف الوجود والمكانة. ويتطلب النجاح إدارة تدمج بين صلابة الموقف الشعبي والتحرك القانوني والسياسي.
علينا تفعيل الردع الجنائي عبر المطالبة بتصنيف الاعتداءات كـ”جرائم كراهية”، والإرهاق المدني برفع دعاوى تعويض لتحويل التحريض إلى عبء اقتصادي يلاحق الجناة.
كما يجب مقاضاة المؤسسات المشغلة التي تتقاعس عن توفير الحماية لموظفيها العرب. يتزامن ذلك مع انتقال المؤسسات الحقوقية إلى “الهجوم المؤسسي” عبر التماسات جماعية وتوثيق الانتهاكات، مدعومة بتغطية إعلامية مكثفة وإسناد سياسي لتمويل الدعاوى ودعم جلسات المحاكم بوقفات احتجاجية.
التدويل كجبهة موازية
يُعد التدويل استراتيجية مهمة عندما تستنفد الأقلية مسارات العدالة المحلية، لفتح جبهة موازية تخلق ضغطًا خارجيًا يجبر السلطات على تغيير سياساتها. وتتضمن آليات التدويل:
آليات الأمم المتحدة: تقديم “تقارير ظل” للجنة القضاء على التمييز العنصري، وتوجيه نداءات للمقررين الخاصين، واستغلال جلسات المراجعة الدورية لمجلس حقوق الإنسان.
المنظمات النقابية العالمية: تقديم شكاوى لمنظمة العمل الدولية، وتجنيد تضامن الاتحاد الدولي لعمال النقل.
الدبلوماسية الحقوقية: الضغط عبر الاتحاد الأوروبي لربط الاتفاقيات باحترام حقوق الإنسان، وتنظيم جولات ميدانية للسفراء الأجانب لإحاطتهم بالانتهاكات.
يتطلب الجهد لمواجهة التحريض بناء قواعد بيانات صلبة وموثقة، ووجود جسم تمثيلي موحد، واستخدام لغة قانونية وعالمية تصيغ الخطاب بمصطلحات القانون الدولي بدلًا من المصطلحات المحلية العامة، وتوفير حاضنة شعبية داعمة وضاغطة في الوقت نفسه.
إن العمل المنظم على كل هذه المسارات، وتدويل القضية كاستهداف للوجود من منطلقات عنصرية ضد العرب في الداخل، وتعريف المشكلة كقضية حقوق إنسان وأقلية أصلانية تواجه تمييزًا بنيويًا، يضع هذه السياسات تحت مجهر الرقابة الدولية ويرفع الكلفة السياسية والأخلاقية للاستمرار فيها.
من هنا، فإنني أوجه نداءً مستعجلًا لكل هذه العناوين للتحرك الفوري والممنهج للوقوف أمام هذه الهجمة العنصرية.
المحامي خالد زبارقة
التعليقات