الخميس ، 14 ربيع الأول ، 1448 - 27 أغسطس 2026
|
|
YAFA
sms-tracking ارسل خبر

حين يفشل المعلّمُ... يُتَّهم الطالبُ يُتّهم الأهلُ يُتّهم العالم .. كلمة الموقع

يافا 48 2026-08-27 08:08:00
حين يفشل المعلّمُ... يُتَّهم الطالبُ يُتّهم الأهلُ يُتّهم العالم .. كلمة الموقع


كلمات ربما لن تسمعوها أبدًا. لأننا لا نملك الجرأة الكافية لقولها، أو لأننا لا نُريد أن نعترف بالحقيقة القائلة: "المعلّم هو أهم عنصر في العملية التربوية والتعليمية". وهذا لا يعني بحال أن نقلّل من مكانة الأهل، فدورهم أساسي ومحوريّ.

أظهرت دراسة حديثة أن المعلمين في البلاد احتلوا المرتبة الـ16 من أصل 19 دولة متقدمة في مستوى المهارات الأساسية، متأخرين عن غالبية دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD).

وأظهرت دراسة أخرى مستويات منخفضة لدى المعلمين في البلاد في مجالات القراءة، والمهارات الرياضية وغيرها..

وهنا أتذكر تجربتي الشخصية حينما كنت معلّمًا.

كنت أتذمّر كثيرًا من مستوى الطلاب وأدائهم الدراسيّ، لطالما ألقيت باللوم على أولياء الأمور. كنت أعتقد أن تقصير الأهل هو السبب الرئيسي في تراجع أبنائهم. حتى جاءني مدير المدرسة ذات يوم قائلًا لي "هذا الطالب يا أستاذ محمود يتيم الأب، وهذا يعيش عند أقاربه، وهذا يسكن في ملجأ مع أمه، وهذا يعيش ظروفًا عائلية صعبة، وهذه الطالبة تعرّض للعنف. يا أستاذ أمامك طلاب أيتام! ... وهذه الحقيقة".

في البداية حاولت أن أدافع عن موقفي كما هو حال المعلمين المتعبين والمحبطين من أداء بعض أولياء الأمور. لكن كلمات المدير دفعتني إلى التفكير: ما جدوى غضبي من الأهل؟ وهل سيغيّر تذمري هذا  واقعي؟ أو واقع طلابي المساكين؟ إلى أين أقودهم؟ وما هي أهدافي ؟ وماذا أريد من صحبتهم طوال السنوات القادمة؟!

توصلّتُ إلى الحقيقة التي لا غبار عليها، أن أدائي هو الذي يجب أن يتكيّف مع متطلبات الطالب. أسلوبي هو الذي يجب أن يتجدد. تحضيري للحصة يجب أن يتطور. لغتي ومشاعري وطريقة تعاملي يجب أن تستوعب المشهد الإنساني الذي هو أمامي. من الضروري أن أحسّن من أدائي العلميّ الضعيف. وما هو هدفي ؟! فبضاعتي مزجاة ومكانتي العلميّة ضعيفة جدًا، وسلوكي بحاجة إلى تعديل…

فالنجّار الذي يلوم الأخشاب عندما يفشل في صياغتها، إنما يعترف بعجزه في التعامل مع مهنته. وهكذا هو حال الحداد والصيّاد. إن المعلّم يتعامل مع ما هو أعظم من الخشب والحديد؛ إنه يتعامل مع إنسان، بعقله ومشاعره وظروفه وأحلامه.

ولهذا يحتاج التعليم إلى معلّم يكون بارعًا عالمًا في مهنته، يعرف كيف يفتح نافذة في عقل الطالب، وكيف يحوّل المدرسة من عبء إلى مساحة للتعلم والنجاح، يصنع الشغف المفقود في وجدان الطالب.
وأتذكر نفسي عندما كنتُ طالبًا، أحببت اللغة العربية لأنني أحببت المعلمة (د. حنان بشارة)، وأحببت التاريخ لأنني أحببت (د. نهاد زميرو). وأحببت الجغرافية والمدنيات  لأنني أحببت المربي الفاضل (عدنان ياسين)، أمدّ الله في أعمارهم جميعًا.

وهنا تكمن قوة المعلّم: قد يحب الطالب مادة كاملة لأنه أحب معلّمها، وقد يكرهها لأنه كره الطريقة التي قُدّمت له.

فشل معظم معلمي اليوم في أداء الأمانة، وفقد الطلاب شغف المعرفة والدراية. ولأننا أمام طلاب دون المستوى الدراسي  المطلوب، لنا أن نسأل كيف؟ ولماذا وصلنا إلى هذا المستوى المتدني في التحصيل والأداء. طلابنا لا يحبون المدرسة، طلابنا لا يحبون المعرفة، طلابنا لا يقرؤون، طلابنا يعانون من مستويات متدنية في كافة مجالاتهم الدراسية والمهارات الحياتية.  هل هذا انعكاس مباشرة لحالة المعلمين؟!

قصص تردنا تندى لها الجبين: معلم اللغة العربية لا يحسن إلقاء القصائد والأشعار...! معلمة التربية الدينية لا تتقن قراءة القرآن وأحكام التجويد..! معلمة اللغة الإنجليزية لا تتقن النطق الصحيح للغة وأحكامها! ومعلم التربية البدنية أثخنت التخمة جسده ..! ما هذه الفوضى ؟

قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم "إنما بُعثتُ معلّما"، ارتبطت رسالة النبي محمد ﷺ بالتعليم والتزكية وحسن الخلق، وكان أثره في أصحابه قائمًا على القدوة، والحكمة، وحسن المعاملة، والصبر على اختلاف الناس وظروفهم. لذلك كان سهلًا أن يقود من حوله لأنه استولى على القلوب لا الجدران.

طلابنا دون المستوى المطلوب تعليميًا وهذه حقيقة . لا يحق لأحد أن ينتقد في هذه الحالة أولياء الأمور لأي سبب. طالما يقبع الطالب في أحضان وحصن المعلمين 7 ساعات يومية وعلى مدار 6 سنوات؟! ماذا صنعتم بهذه الخامات ؟! وماذا فعلتم بتلك السنوات؟!

حينما نطالب النجار بإتقان صناعته، والطبيب بإتقان مهنته، والمهندس بإتقان عمله، فمن باب أولى أن نطالب المعلّم بأعلى درجات المهنية؛ لأنه لا يصنع قطعة أثاث ولا يبني جدارًا. إنه يشارك في صناعة إنسان مثقف متعلم شغوف بالمعرفة والدراية. إلى هنا النهاية.

بقلم: محمود عبيد

comment

التعليقات

0 تعليقات
إضافة تعليق
load تحميل
comment

تعليقات Facebook