هناك لحظات في حياة الشعوب لا يكون فيها الصمت حيادًا، ولا تكون فيها المقاطعة مجرد موقف شخصي، بل قد تتحول إلى تنازل عن فرصة كان من الممكن أن تغيّر الواقع وتحمي المستقبل.
في خطبة الجمعة بالأمس، استوقفتني مقولة لشيخ فاضل تحدث فيها عن سيدنا موسى عليه السلام، حين أمره الله سبحانه وتعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾. فالله القادر على كل شيء، الذي إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، كان قادرًا على أن يشق البحر بأمره، لكنه أمر نبيّه أن يضرب البحر بعصاه.
وفي هذه القصة العظيمة درس عميق لنا جميعًا. أن الإيمان بالقدرة الإلهية لا يعفينا من العمل، وأن التوكل لا يعني الاستسلام، وأن علينا أن نبذل ما نستطيع، حتى نفتح لأنفسنا ولأبنائنا أبواب الأمل.
وهنا أسأل كل من يقول. أنا أقاطع، ولن أشارك في الانتخابات ماذا نفعل أمام الخطر الذي يطرق أبوابنا.
نحن نعيش مرحلة مصيرية، نرى فيها تصاعد الفاشية والعنصرية، وهدم البيوت، وسياسات التضييق والتمييز، وإرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، تحت حماية جيش الاحتلال، إلى جانب التهديدات اليومية التي يطلقها بن غفير وسموتريتش ضد شعبنا الفلسطيني، وضد المواطنين العرب داخل الدولة، بمن فيهم أبناء المدن المختلطة.
هذه ليست مخاوف بعيدة، ولا تهديدات يمكن تجاهلها. إنها وقائع تمس أمننا وكرامتنا ومستقبل أبنائنا وأحفادنا.
أمام هذا الواقع، هل يكفي أن نعلن رفضنا للفاشية، ثم ننسحب من الميدان ونتركه لمن يسعون إلى ترسيخها وهل نستطيع أن نطلب من أبنائنا أن يسامحونا يوم يسألوننا ،ماذا فعلتم عندما كان بإمكانكم أن تفعلوا شيئًا.
أنا لا أدّعي أن ورقة الاقتراع ستحل جميع مشكلاتنا، ولا أن الانتخابات وحدها ستنهي العنصرية أو توقف الظلم. لكنني أؤمن بأن كل صوت قد يصنع فرقًا، وأن كل فرصة لمواجهة الخطر يجب ألا نهدرها بأيدينا.
قد ننجح في تغيير المعادلة، وقد لا نحقق كل ما نطمح إليه. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين من يحاول ويعمل ويناضل، وبين من يتنازل عن فرصته قبل أن يحاول.
التصويت ليس بديلًا عن النضال الشعبي، ولا عن التنظيم والعمل السياسي والاجتماعي، لكنه أداة من أدوات المواجهة السلمية . وإذا كانت هذه الأداة قادرة على إضعاف القوى الفاشية والعنصرية، وحماية ما يمكن حمايته، فلماذا نتخلى عنها.
إلى الذين يفكرون في المقاطعة، أقول: أتفهم غضبكم، وأتفهم خيبة أملكم، وأعرف أن كثيرين يشعرون بأن أصواتهم لم تغيّر الواقع كما تمنّوا. لكن هل يكون الرد على خيبة الأمل بأن نتخلى عن إحدى الوسائل القليلة المتاحة أمامنا للتأثير.
إن المسؤولية الوطنية والأخلاقية تفرض علينا أن نفكر ليس فقط في موقفنا اليوم، بل في الثمن الذي قد يدفعه أبناؤنا غدًا. فالمعركة ليست معركة أحزاب أو كراسي، بل معركة على مستقبل مجتمعنا، وعلى حقنا في العيش بكرامة وأمان ومساواة.
أتذكر دائمًا درس سيدنا موسى عليه السلام. في خطبة الجمعة، اضرب بعصاك البحر. افعل ما تستطيع، ولا تنتظر أن يحدث كل شيء من تلقاء نفسه.
قد تكون عصانا اليوم ورقة اقتراع، وقد تكون كلمة حق، أو مشاركة في عمل جماهيري، أو وقوفًا إلى جانب المظلومين. المهم ألا نقف مكتوفي الأيدي، وألا نحول الإحباط إلى استسلام.
أنا أريد أن أنظر في عيون أولادي وأحفادي، وأن أقول لهم إنني لم أقف متفرجًا، وإنني استخدمت كل وسيلة ديمقراطية متاحة للدفاع عن مستقبلهم، حتى لو لم أضمن النتيجة.
لا أحد يطلب منكم أن تتخلوا عن قناعاتكم، بل أن تسألوا أنفسكم بصدق: هل تخدم المقاطعة هدفنا في هذه المرحلة، أم أنها تترك المجال أوسع لمن يهددوننا؟
من أجل شعبنا، ومن أجل بيوتنا وأرضنا وكرامتنا، ومن أجل مستقبل أولادنا وأحفادنا، أدعو الجميع إلى المشاركة في التصويت، وإلى عدم التفريط بأي فرصة لمواجهة الفاشية والعنصرية بالوسائل الديمقراطية.
لا يكفي أن نرفض الظلم في قلوبنا، ولا أن نلعن الفاشية بألسنتنا. علينا أن نعمل لإيقافها.
فالتاريخ لا يسألنا فقط عمّا كنا نؤمن به، بل يسألنا أيضًا عمّا فعلناه عندما حانت لحظة المسؤولية.
التعليقات