في زمن تتصاعد فيه موجات العنصرية، ويتسع فيه خطاب يحوّل الاختلاف إلى تهديد، تبدو يافا أحيانًا وكأنها تقف أمام سؤال وجودي: كيف يمكن لمدينة متعددة الثقافات، ومدينة مختلطة بكل ما تحمله هذه الكلمة من تعقيدات وتحديات، أن تحافظ على خصوصيتها، وعلى حق أبنائها في البقاء والعيش الحر الكريم، وأن تبني في الوقت نفسه مستقبلًا مشتركًا يقوم على أسس متينة من المساواة والاحترام والشراكة.
هذا السؤال ليس جديدًا في يافا.
لكن زيارتي الأخيرة إلى مركز العلوم دجاني جعلتني أنظر إليه من زاوية مختلفة.
ربما لا يكون مستقبل يافا في أيدي الكبار وحدهم. وربما هناك جيل صغير بدأ، من دون ضجيج ومن دون شعارات، بصناعة شيء عجزنا نحن الكبار عن صنعه.
دخلت المبنى الذي كان يُعرف في طفولتي بمستشفى الدجاني، حاملاً معي الكثير من الذكريات، برفقة زميلي وصديقي البروفيسور روني كوفمان، الرئيس المشترك لجمعية «كلنا يافا».
كان في استقبالنا الأخ العزيز محمد كرون، نائب رئيس المَكملة ليافا، والسيدة شيرا، مديرة منطقة قلب يافا، والسيدة عدنا، مديرة مركز العلوم دجاني، والأخت فيرا ديك، مديرة العلاقات العامة، والسيدة شاحر ايضا مديرة للعلاقات العامة ، والأخت ديمة، سكرتيرة المركز، والسيدة يعرا، منسقة البرامج.
المبنى نفسه يحمل جزءًا من ذاكرة المدينة. نافورة مياه عادت إلى الحياة بعد ترميمها، وأرضية رخامية مزخرفة، وتفاصيل معمارية تستحضر شيئًا من جمال يافا القديم.
لكن خلف هذه التفاصيل التاريخية، كان هناك مشهد مختلف تمامًا: أطفال يتعلمون العلوم، يبتكرون، يطرحون الأسئلة، ويفكرون معًا.
بين الماضي والمستقبل، شعرت أنني أمام صورة مكثفة ليافا نفسها؛ مدينة تحمل ذاكرة ثقيلة، لكنها لا تزال تبحث عن طريق إلى الأمام.
من الدفاع عن البيت إلى الدفاع عن المستقبل
خلال اللقاء، تحدثت عن تجربة الرابطة لرعاية شؤون عرب يافا، وعن أكثر من خمسة وأربعين عامًا من العمل الاجتماعي والمدني والنضال من أجل بقاء المجتمع العربي في مدينته والحفاظ على حقوقه وكرامته.
في سنوات السبعينيات والثمانينيات ، واجهت عائلات عربية في يافا أوامر هدم وإخلاء هددت وجودها في المدينة. كان البيت آنذاك أكثر من مجرد مكان للسكن. كان إعلانًا بسيطًا عن حق الإنسان في أن يبقى في مدينته، وأن يعيش فيها بكرامة وأمان.
واجهنا تلك السياسات بالاحتجاج والعمل الشعبي والمسار القانوني. طرقنا أبواب المحاكم، ووقفنا أمام الجرافات، وفي بعض الحالات نمنا تحتها في محاولة لمنع هدم البيوت.
وبعد معركة قانونية طويلة، تمكنا من وقف عمليات الهدم، وبدأنا العمل على ترميم البيوت التي صدرت بحقها أوامر اخلاء بحجة أنها خطرة وغير صالحة للسكن. استعنا بمهندسين ومحامين عملوا معنا بصورة تطوعية، ونجحنا في إلغاء أوامر هدم وقمنا بترميم نحو 250 منزلًا .
لم تكن القضية مجرد ترميم جدران.
كانت دفاعًا عن الذاكرة والانتماء والكرامة، وعن حق الناس في أن يكون لهم مكان في مدينتهم.
لكن أشكال التحدي تغيرت اليوم.
لم يعد الضغط على السكان يأخذ دائمًا صورة جرافة أو أمر إخلاء. هناك ارتفاع مستمر في أسعار السكن، وتطور عمراني متسارع، وعمليات جَنْتَرفِكَيْشِن، واتساع في الفجوات الاجتماعية والاقتصادية.
وفوق ذلك كله، هناك خطاب عنصري متصاعد يجعل الهوية في بعض الأحيان سببًا للريبة والخوف بدل أن تكون مصدرًا للتنوع والغنى.
وهنا تصبح المعركة أعمق.
فالسؤال لم يعد فقط: من سيبقى في يافا.
بل أصبح أيضًا: أي مجتمع نريد أن تكون عليه يافا.
التنوع ليس تهديدًا بل مصدر قوة
خلال اللقاء، تحدث البروفيسور روني كوفمان عن دراسة أجراها مؤخرًا، أشار فيها إلى أن التهديد الوجودي الذي تشعر به الأقلية العربية في يافا ما زال قائمًا، وأن هناك حاجة إلى العمل من أجل حماية هذا الوجود وتعزيز مكانته.
وقال إن أحد أسباب وجوده في يافا هو وجود الأقلية العربية فيها، وإن هذا الوجود هو جزء أساسي من خصوصية المدينة وهويتها، ويمنحها تنوعًا وثراءً لا يمكن فصلهما عن شخصيتها.
كما تحدث الأخ محمد كرون عن دور المَكملة والمشاريع التي تعمل عليها من أجل تحسين الظروف الحياتية في مختلف المجالات، مع التركيز بصورة خاصة على التعليم باعتباره رافعة أساسية لبناء المستقبل.
وتحدثت السيدة شيرا عن مجموعة من المشاريع والبرامج الثقافية والتربوية المختلفة التي تعمل عليها المَكملة في يافا.
أما اللحظة التي أثارت اهتمامي بصورة خاصة، فكانت عندما تحدثت السيدة عدنا، مديرة مركز العلوم دجاني، عن رؤية المركز الذي يجمع بين العلوم والابتكار وتطوير المهارات، من خلال طرق تفاعلية وغير تقليدية، إلى جانب مجموعة واسعة من البرامج والخدمات.
لكن ما بقي عالقًا في ذهني لم يكن فقط ما يتعلمه الأطفال، بل كيف يتعلمون معًا.
في المركز، هناك حضور شبه متساوٍي للأطفال عرب ويهود، يتعاونون، يفكرون، يبتكرون ويكتشفون العالم جنبًا إلى جنب، من دون أن تكون الهوية حاجزًا بينهم.
هنا رأيت شيئًا بالغ الأهمية.
أطفال لا يحملون أعباء الخطاب السياسي، ولا يرثون بالضرورة مخاوف الكبار، ولا ينظرون إلى زميلهم باعتباره تهديدًا لمجرد أنه ينتمي إلى مجتمع آخر.
إنهم يتعلمون معًا قبل أن يتعلموا كيف يختلفون.
وربما هنا تكمن واحدة من أهم فرص يافا.
الأطفال يرسمون ما نعجز عن رسمه نحن
السياسة تستطيع أن تضع القوانين، وأن ترسم الحدود، وأن تدير الخلافات.
لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع الثقة.
الثقة تُبنى في المدرسة، وفي الحي، وفي الملعب، وفي المركز الثقافي، وفي المختبر، وفي اللحظة التي يكتشف فيها طفل عربي أن زميله اليهودي يشبهه في أحلامه وأسئلته وطموحاته أكثر مما يختلف عنه.
في مركز صغير للعلوم، رأيت نموذجًا مصغرًا لما يمكن أن تكون عليه يافا.
لا أقول إن هذا المركز قادر وحده على حل المشكلات العميقة التي تواجه المدينة، ولا أن الأطفال يستطيعون محو التعقيدات السياسية والاجتماعية التي راكمتها عقود طويلة.
لكنهم يقدمون لنا شيئًا لا يقل أهمية: دليلًا حيًا على أن العيش المشترك ليس فكرة مستحيلة.
حين يعمل الأطفال معًا، فإنهم لا يناقشون أولًا من يملك الحقيقة، ومن كان هنا أولًا، ومن يتحمل مسؤولية الماضي.
إنهم يسألون: كيف تعمل هذه التجربة. كيف نصنع هذا النموذج. كيف نحل هذه المشكلة.
وهذا، في حد ذاته، درس كبير للكبار.
ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتعلم من الأطفال كيف نعيش معًا قبل أن نحاول تعليمهم كيف يعيشون في عالم منقسم.
يافا التي نحب
وأنا أخرج من مركز العلوم دجاني، شعرت أنني لم أزر مجرد مركز تربوي.
شعرت أنني رأيت نافذة صغيرة على مستقبل يمكن أن تكون فيه يافا مدينة مختلطة حقيقية؛ مدينة لا يُنظر فيها إلى التعددية باعتبارها عبئًا، بل باعتبارها مصدر قوة، ولا تكون فيها الهوية سببًا للانقسام، بل جزءًا من فسيفساء المدينة.
يافا التي نحبها ليست فقط يافا التي تحفظ ذاكرتها ومبانيها وشوارعها وتراثها.
يافا التي نحبها هي أيضًا يافا التي تفتح أبوابها أمام أطفالها، وتمنحهم فرصة للتعلم والابتكار والحلم.
لقد وجدتها هذه المرة في مكان صغير اسمه مركز العلوم دجاني.
مكان صغير في حجمه، لكنه كبير في ما يحمله من معنى.
ولهذا، أدعو الأمهات والآباء في يافا إلى اصطحاب أطفالهم إلى هذا المكان، ليس فقط لكي يتعرفوا إلى العلوم، وإنما لكي يروا بأعينهم كيف يمكن للأطفال أن يصنعوا، بهدوء وبراءة، جسورًا قد نعجز نحن الكبار عن بنائها.
فربما يكون مستقبل يافا أمام أعيننا بالفعل.
وربما يكون الأطفال هم من سيصنعونه
التعليقات