الثلاثاء ، 23 جمادى الأول ، 1448 - 03 نوفمبر 2026
|
|
YAFA
sms-tracking ارسل خبر

"عندما تعمى القلوب " بقلم: عمر سكسك

يافا 48 2026-11-03 19:31:00
"عندما تعمى القلوب " بقلم: عمر سكسك


هناك لحظات تتحوّل فيها الاستوديوهات في إسرائيل من منصّات للنقاش العام إلى أوركسترا تعزف لحن الإجماع. عندما أستمع إلى المحلّلين في القنوات 11 و12 و13، لا أسمع الا نغمة واحدة، موحّدة ونشاز  كل شيء مسموح، وكل شيء ممكن، وكل تسوية مشروعة، شرط ألّا تكون هناك شراكة حقيقية مع الأحزاب العربية.

حتى عندما يكون القادة العرب مستعدّين للتقرّب، وتقديم التنازلات، وقطع شوط من أجل تعزيز مصلحة المجتمع بأسره، تُغلق الأبواب في وجوههم. فمجرّد كونهم عربًا يُنظر إليه على أنّه عائق لا يمكن تجاوزه، حتى عندما يسعون إلى تحمّل نصيبهم من المسؤولية الوطنية والاجتماعية والاقتصادية.

أيّها المحللين السياسيين ، إنّ هذا التفكير متحجّر. إنّه مشبع بالعنصرية، تارةً بصورة علنية، وتارةً أخرى مغلّفًا بكلمات منمّقة تحت عنوان المسؤولية الوطنية. من المؤسف أن يفقد شعب الكتاب، الذي افتخر على مدى أجيال بحكمته وقدرته على تحليل الواقع المعقّد، قدرته على النظر إلى الحقيقة بعينين مفتوحتين. ومن المؤسف أن يعجز المجتمع الإسرائيلي عن التمييز بين التهديد الحقيقي والخوف الذي يُصنع ويُغذّى ويُستغلّ لأغراض سياسية.

لقد نجح المواطنون العرب في إسرائيل، رغم التمييز المتواصل والعوائق المؤسسية والواقع السياسي المعادي، في شقّ طريقهم إلى مؤسسات الدولة. فهم موجودون في الجهاز الصحي، والأكاديميا، والاقتصاد، والجهاز القضائي، والعديد من المؤسسات العامة، ويعملون فيها بإخلاص ومهنية وحكمة وتفانٍ.

وبدلًا من الاعتراف بهذا 
الإنجاز، وتقديره، ومنحه المكانة التي يستحقّها، هناك من يسعى إلى دفعهم مجدّدًا نحو الهامش. وبدلًا من رؤيتهم شركاء في بناء مستقبل مشترك، يستمرّ التعامل معهم كضيوف غير مرغوب فيهم في بيت يُفترض أن يكونوا فيه مواطنين متساوين في الحقوق.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو. إلى أين تقودنا هذه السياسة بالضبط.

هل تمتلك هذه الدولة أفقًا سياسيًا،هل لدى الأحزاب والحكومات التي تطلب ثقة الجمهور خطة حقيقية لإنهاء الصراع، وتحقيق السلام، وصناعة مستقبل آمن للأجيال القادمة،  هل لديها خطة اقتصادية جدّية تساعد الطبقة الوسطى، وتنتشل الفئات المستضعفة من دوّامة الفقر، وتقلّص الفجوات الاجتماعية.

أم أنّ كل ما تبقّى هو سياسة الخوف والتحريض وتوجيه أصابع الاتهام نحو المواطنين العرب.

فلا يمكن بناء مجتمع قوي على الإقصاء. ولا يمكن تعزيز اقتصاد مزدهر من خلال الكراهية. ولا يمكن الحديث عن الديمقراطية والمساواة والمسؤولية الوطنية، وفي الوقت نفسه رفض جمهور كامل لمجرّد هويته القومية.

لكن التغيير لن يأتي من الأعلى فقط، من الاستوديوهات أو من غرف الحكومة. إنّه يُبنى أولًا من الأسفل، في الأحياء، والمدن المختلطة، والمجتمعات التي يعيش فيها اليهود والعرب جنبًا إلى جنب.

إنّ مبادرات مثل «كلنا يافا» في يافا تثبت أنّ هناك إمكانية لطريق آخر: يهود وعرب يعملون معًا من أجل السكن العادل، والحفاظ على التراث، والأمن الشخصي، ومستقبل مشترك لجميع سكان المدينة.

إنّ هذه الشراكة ليست شعارًا. إنّها عمل يومي، صبور ومثابر، يصنع الثقة في الأماكن التي تصنع فيها السياسة الخوف. وكلّما وسّعنا هذه الأطر وعزّزناها، أصبح من الأصعب تصوير المواطنين العرب على أنّهم تهديد، واتّضح أنّهم شركاء كاملون.

لقد حان الوقت لقول الأمور بوضوح: من يريد قيادة إسرائيل عليه أن يقدّم طريقًا ورؤية وخطة. لا شعارات فحسب، ولا تخويفًا فحسب، ولا رفضًا تلقائيًا للشراكة مع العرب.

إنّ الجمهور الإسرائيلي يستحقّ أكثر من ذلك. إنّه يستحقّ قيادة قادرة على التفكير والتحليل والجرأة، وعلى رؤية الواقع كما هو.

وفي المرة القادمة التي تدخلون فيها إلى صندوق الاقتراع، اسألوا أنفسكم سؤالًا واحدًا وبسيطًا:

هل أنتم تختارون المستقبل، أم تختارون الاستمرار في الخوف منه.

إنّه ليس مجرّد سؤال سياسي، بل هو سؤال يتعلّق بالحكمة، والمسؤولية، ومستقبل المجتمع بأسره.

comment

التعليقات

0 تعليقات
إضافة تعليق
load تحميل
comment

تعليقات Facebook